في هذه الحلقة الأخيرة يروي العميد المتقاعد نزار عبد القادر قصة اللقاء بينه وبين العماد إبراهيم طنوس بعد الاجتياح الإسرائيلي ويكشف كيف شارك في حرب الجبل والضاحية وبيروت، وكيف رفض عام 1989 أن يكون مع العماد ميشال عون أو مع اللواء سامي الخطيب. ويحكي عن علاقته بالعماد إميل لحود بعد العام 1990 والعمل على إعادة توحيد الجيش لكنه يبدي أسفه للمسار الذي سلكه لحود في تبعيته للنظام السوري وتلقيه التعليمات من غازي كنعان. الجنرال عبد القادر يكشف أيضًا ما دار بينه وبين الرئيس حسين الحسيني عن "حزب الله" والشيعة.
عدت إلى الجيش كان صار العماد ابراهيم طنوس قائدًا للجيش. ما الفرق بينه وبين فكتور خوري؟ كم أعطى طنوس خلفية عسكرية قتالية للجيش؟
كنت قريبًا جدًّا من فكتور خوري الذي كان يثق بي ثقة عمياء. عندما أتى طنوس كان لديه نوع من الحقد والعلاقات السيئة مع فكتور خوري. بدأ يَحلُق لكل شيء اسمه فكتور خوري. قلت سيصل إليّ. كان يعرف عني مهنيّتي العسكرية. صرت أشعر أنني أتفق معه على أمر قبل الظهر فيغيّر بعد الظهر. قلت إنه يزعجني لأنه يريدني أن أترك. ذهبت لعنده في اليوم التالي عند الصباح. قلت له: أريد أن أقول لك أمرًا أتيت لعندك لأحكي معك بصراحة. قال تفضل. قلت أنا مع فكتور خوري عملني ضابط ناجح. أنا عملت ضابط بما أمثل بقوة هذا العقل وهذه الزند. فكتور خوري لم تكن ظروفه مؤاتية ليبني جيشًا. أنت في عهد جديد تدعمه أميركا عندك ضوء أخضر لتبني جيشًا. فكتور خوري أخذ 10 في المئة من طاقتي أنت يمكنك أن تأخذ 90 في المئة إذا كنت تريد. قال لي أشكرك حكيت معي بهذه الصراحة أريدك معي. بقيت نحو سنة ونصف في الأركان معه. بعدها طلبت تعييني قائد لواء. نقلني إلى طرابلس. كلّما كانت تحتدم المواجهات العسكرية كان يطلبني وآتي لعنده إلى قيادة الجيش. يشرح لي الوضع وأعطيه رأيي كما يقول العلم والمنطق وبحسب معرفتي بالأرض. قلت له مرّة هذه الثغرة في طريق الكرامة التي تصل العمروسية والشويفات هي المشكلة الكبرى التي ستواجهها في الأيام الآتية. يدخل منها السلاح والعملاء من سوريا والجبل. عندك مشكلة في بيروت الغربية. سألني والثانية ما هي؟ قلت له: بحمدون. لم يكن هناك لواء من الجيش في بحمدون كانت "القوات اللبنانية" بقيادة سمير جعجع. قلت له هؤلاء يقوّصون الرصاص الذي معهم ثم يصيرون في دير القمر وبيصير بدنا نخلّصهم. بدّك تحكي الرئيس أمين الجميل. اتصل بمدير المخابرات سيمون قسيس وقال له تعال اسمع صاحبك ماذا يقول. أتى سيمون قسيس حكيت نفس الكلام. في اليوم التالي زاروا رئيس الجمهورية. ما كان قادر يمون على "القوات" ليسحبهم. قلت لهم يجب أن تنشروا لواء في بحمدون يستطيع أن يتلقى الصدمة إذا حصل هجوم من البقاع. ولكن هذا لم يحصل. في موضوع طريق الكرامة قلت للعماد طنوس لا يمكن أن يكون لديك لواء في الشحار الغربي ولواء في سوق الغرب وتبقى هذه الثغرة بينهما. سألني شو لازم نعمل؟ قلت له يجب أن يتقدّم هذا اللواء تلّة أو تلّتين واللواء الآخر يقترب تلّة واحدة. بالنار يقطعون الطريق. قال مين بدّك يعني فلان أو فلان؟
من كان يقصد؟
ميشال عون قائد اللواء الثامن في سوق الغرب وجورج حرّوق قائد اللواء الرابع في الشحّار. قلت له بسيطة عندي حلّ. قال شو؟ قلت: اعزلهم وسلّمني الجبهة بعد 3 أيام بسكّرها. ابراهيم طنوس كان قائد جيش قدر خلال ستة أشهر أن يرفع عديده من 15 ألفًا إلى 36 ألف مقاتل. طبعًا ما ساعده كان تدفق السلاح الأميركي وكان لبنان لا يزال معه أموال. الياس سركيس كان ترك في المصرف المركزي ملياري دولار احتياط. طبعا صرفها الشيخ أمين على السلاح الأميركي، ولكن صار عندنا جيش يقاتل. هذه القصة لها تتمة. اتصل بي مرة العماد طنوس وقال لي تعا لعندي. كنت في طرابلس قائدًا للواء الثاني. طلعت لعنده وكانت الساعة 11 ليلًا. قال لي: اتصل بي الرئيس شفيق الوزان ويريد أن يراك بكرا الصبح. سألته: شو بدّو مني الرئيس الوزان؟ قال لا أعرف هو طلب ذلك. إذهب إليه. في اليوم التالي اتصلت بالرئيس الوزان فرحّب بي. سألني إذا كنت أزوره في البيت أو في المكتب؟ قلت كما تريد. قال في البيت أفضل يكون اللقاء سرّيًا أكثر. عندي صديق ضابط مقرب من الوزان أحمد الجارودي سألته إذا كان يمكن أن يأتي معي رحّب قائلًا إنه من أهل البيت. رحنا. ماذا تريد دولة الرئيس؟ قال نحن خايفين على بيروت. بيروت عاصمة السنة ونحن لا نثق بلطفي جابر.
كان قائد اللواء السادس؟
نعم. تابع الرئيس الوزان: حكيت أنا والدكتور سليم الحص والمفتي حسن خالد وارتأينا أن أحسن خيار عندنا هو أن تأتي وتستلم بيروت. قلت له: إذا كان هذا رأي كل هذه القيادات فأنا أُجِلّ وأحترم. قال: طيّب. قريبًا تطلع التشكيلات وتأتي وتستلم بيروت. بعد عشرة أيام صدرت مذكرة التشكيلات وبدل بيروت عيّنوني قائد اللواء الثالث في الضاحية الجنوبية.
قبل 6 شباط؟
نعم
شاركت في القتال في الضاحية؟
بقيت حتى ذهبت إلى أميركا صيف 1984. كان اللواء صعبًا جدًّا. كان بأكثريته من الجنوب والبقاع بنسبة 72 في المئة من عسكره وضباطه شيعة.
على رغم ذلك لم ينقسم؟
من دون شك. أعطيتهم الخيار. شرحت لهم رؤيتي وقلت لهم لا أريد أي أحد أن يترك من وراء ظهري. من لديه خيار أفضل ليأتِ ويَقُلْ لي ربما أذهب معه. لم يقلْ أحد شيئًا. بقيوا بأكثريتهم. صار اللواء مضرب مثل بفعاليته الميدانية وكان ابراهيم طنوس يقول للآخرين اعملوا مثل اللواء الثالث ومثل نزار.
عندما حصل الإانقسام عام 1989 في مرحلة حكومة العماد ميشال عون اخترت أن تكون معه أم مع سامي الخطيب؟
كنت عائدًا حديثًا من أميركا. ميشال عون كان أرسلني إلى كلية الحرب العسكرية هناك WAR COLLEGE. أهم كلية وكنت الوحيد من الشرق الأوسط. بعده انتسبت PHD في جامعة جورج واشنطن وبقيت من سنة 1984 حتى سنة 1987. عندما عدت التقيت ميشال عون. قال لي: سأرسلك إلى الشمال لتستلم كل شيء. ولكنه لم يرسلني ولم أعرف لماذا. بقيت على جنب. عندما صار هناك جيشان وتشكّلت قيادة سامي الخطيب وقفت في الوسط. شو بدّي أعمل؟ دائمًا كان لديّ شخصيّتي في الجيش. هذا جيش الوطن وهو جيش واحد ولا يمكن أن يكون جيشين. طلعت لعند العماد عون وكان صديقي وغير بعيد عني. قلت له: جايي قلّك ما بقا فيي أبقى معك باليرزة. قال: بفهمك نزار. تريد أن تلتحق بسامي الخطيب. قلت له: أبدًا. طالع من عندك ورايح قول نفس الكلام لسامي الخطيب.
رحت؟
طبعًا. حكيت رأيي كصديق ونزلت شفت سامي الخطيب في سبينس، حيث كان مقرّ قيادته، وقلت له نفس الكلام. قال لي أيضًا: بفهمك نزار. بعد نحو خمسة أيام صدرت مذكرة عن القيادتين عيّنوني رئيسًا للمحكمة العسكرية. ارتحت.
على عهد العماد إميل لحّود كانت لديك ملاحظات حول علاقته بالنظام السوري وتدريب الجيش في سوريا؟
يؤلمني أن أحكي في هذا الموضوع بصورة سلبية عن إميل لحّود لأنه صديقي وعشير صبا. ربيانين نحنا ويّاه خصوصًا في فترة العزوبية. إميل لحّود كان سائرًا في لعبة السوريين في لبنان ولمّا ألحّ أن أكون نائبًا لرئيس الأركان رغم أنني أعلى من رئيس الأركان قال لي بدّك تضحّي وتساعدنا حتى ننفذ التنظيم الذي وضعته أنت. كنت عملت تنظيمًا للجيش. هذا الجيش الحالي أنا منظمو. النتيجة قبِلت. صرنا نجتمع كل يوم الساعة 7 وربع الصبح. كان يحضر معه كرتونة كل يوم كاتبًا عليها عناوين. تساءلت مع من يجتمع في الليل؟ ما كنت أعرف. مرّة في اجتماع أنا وأبو يعرب،
غازي كنعان؟
نعم. سألني سؤالًا عرفت من خلاله أنه هو من يعطي هذه الأوراق لإميل لحّود. جاوبته وفهمت اللعبة. قلت وقتها لغازي ما رح يجيكم قائد جيش يخدمكم كما يخدمكم إميل لحّود. وشرحت له رأيي. كان صديقي وأستطيع أن أحكي معه. بزماني لم أطلب منه شيئًا ولم يخدمني بشيء. كان إميل لحّود يقول دائمًا أنا ما بدّي شي واللي ما بدّو شي بيبقى قوي. يا أخي ما بدّك شي؟ مدّدت ثلاث سنين بقيادة الجيش و3 سنين برئاسة الجمهورية وما بدّك شي؟ خدمت معه وخدمته لأنني كنت أخدم الجيش والمؤسسة وليس الشخص. كان بإمكانه أن يكون غير ما كان. ولكن مصالحه اقتضت ذلك.
تقاعدت سنة 1995؟
آخر شهر.
كنت تتمنّى لو بقيت في الجيش؟
\ لا. كنت عملت كل ما كنت أريد أن أعمله في الجيش. طلعت وكنت كل يوم أطلع على جريدة "الديار" وأمرّ أمام وزارة الدفاع.
اشتغلت في "الديار"؟
\ أخذني شارل أيوب وسلمني الجريدة والتحرير والإدارة.
بقيتما صديقين منذ تركتما الوزارة عام 1982؟
يحبّني ويحترمني. شارل أيوب إنسان كريم الأخلاق ومهذب جدًّا.
بعد الجيش تفرّغت للكتابة؟
الكتابة والصحافة.
لديك كتاب "وطن بلا سياج". هل تعتقد أن لبنان اليوم مؤهّل ليكون وطنًا بسياج مع العهد الجديد؟
كان عندي مشروع متكامل في هذا الكتاب. 500 صفحة عن نفس الموضوع. الرئيس حسين الحسيني كتب لي مقدمة هذا الكتاب. رحت لعنده وكنت متردّدًا. بعد نحو عشرة أيام اتصل بي وطلب مني زيارته. زرته. قال لي هذه هي المقدمة. أربكني. المشروع نصفه عن "حزب الله" والثاني بناء استراتيجية دفاعية. قرأت المقدمة. بتاخد العقل. قلت له: دولة الرئيس هل تسمح بأن أسألك سؤالًا؟ قال تفضل. قلت له بصراحة هل تريد أن أعدّل شيئًا في الكتاب؟ قال: أبدًا. هذا مشروع وطن وفقًا لرؤيتك وأنت متجرّد. تترك كل كلمة فيه وأنا أعرف أنني كتبت لك. شكرته وطلبت وضع اسمه على الغلاف. قال يمكنك أن تضعه حيث تريد. لاحظ أنني مرتبك. سألني شو باك؟ قلت له: أعرف من التاريخ ودروسه أنه سيأتي يوم يتم فيه نزع سلاح "حزب الله" ولكن تبقى عندنا مشكلة لا أعرف كيف سنحلّها. قال: ما هي؟ قلت: كيف يمكن أن نستعيد الذين رباهم "حزب الله" على الولاء لولاية الفقيه وأولوية إيران والمصلحة الإيرانية على المصلحة اللبنانية ونعيدهم مواطنين لبنانيين صالحين؟ قال: نزار هذه المشكلة لا أنا ولا أنت نعرف كيف نحلّها. هذه المشكلة باقية ومستمرة.
لقراءة الجزء الأول من المقابلة
لقراءة الجزء الثاني من المقابلة
لقراءة الجزء الثالث من المقابلة