بدت ليلة توزيع "جوائز الأوسكار" الأحد الماضي، بمثابة إعادة تقييم لموازين القوى في هوليوود، حيث اختتمت الاحتفاليّة دورة هذا العام بتتويج لافت لفيلم "One Battle After Another" الذي حصد ست جوائز رئيسيّة بينها: "أفضل فيلم" و "أفضل مُخرج" و "أفضل سيناريو مُقتبس"، مؤكّدًا هيمنة كاتبه ومُخرجه Paul Thomas Anderson على موسم الجوائز. الفيلم المقتبس بشكل فضفاض من عالم الكاتب Thomas Pynchon، يروي قصَّة ناشطٍ يساريّ سابق يعيش مُتخفّيًا في أميركا المُعاصرة، في حكايةٍ تمزج بين السّخرية السياسيّة والدراما الشخصيّة. هذا الخليط غير التقليدي منح العمل طابعًا خاصًّا جذب النقاد وأعضاء الأكاديميّة على حدّ سواء. وبالنسبة لأندرسون، شكّل الفوز لحظة مفصليّة في مسيرته، إذ نال أخيرًا أول "أوسكار" تنافسيّ له بعد سنواتٍ طويلة من الترشيحات (11 ترشيحًا سابقًا من دون أي فوز).
لحظة مؤثرة
من أكثر اللّحظات تأثيرًا في بداية الأمسية، كان فوز الممثلة المخضرمة Amy Madigan بجائزة "أفضل ممثلة مساعِدة" عن دورها في فيلم "Weapons"، كما توقعنا وتمنينا بشدّةٍ لها. جاء الفوز بعد أربعة عقود على ترشيحها الأوّل لـ "الأوسكار" في ثمانينات القرن الماضي، في لحظة بدت وكأنها استعادة متأخرة لِحَق فنيّ. أتى صعودها إلى المسرح مزيجًا من الدّهشة والامتنان، كما شكّل أحد أكثر المَشاهد إنسانيّة في الحفل، لا سيّما أن الفوز جاء عن فيلمٍ ينتمي إلى سينما الرّعب، وهي فئة نادرًا ما تُكافَأ في الجوائز التمثيليّة.
وحصد Michael B. Jordan جائزة "أفضل ممثل" عن أدائه في فيلم الرّعب "Sinners"، بعد سباقٍ شديد التنافسيّة. أداء جوردان، الذي يجمع بين الدراما النفسيّة والبُعد الاجتماعي، أتى نتيجة مسيرة صاعدة بدأت منذ سنوات، مع أدوارٍ لافتة في أفلام جماهيريّة ونقديّة على حد سواء، قبل أن يبلغ ذروته في هذا الدور المُركّب.
أمّا جائزة "أفضل ممثلة" فذهبت إلى Jessie Buckley عن أدائها في "Hamnet"، في دورٍ حميميّ مستوحى من روايةٍ تاريخيّة تتخيّل حياة عائلة William Shakespeare بعد فقدان ابنها. وقد اعتُبر فوز باكلي تقديرًا مستحقًا لمسيرة تصاعدت بهدوء خلال السنوات الأخيرة، لتتحوّل عبرها من ممثلة مُساعِدة بارزة إلى بطلة قادرة على حمل فيلم كامل على كتفَيها.
في المقابل، نجح أيضًا توقّعنا بفوز المخضرم Sean Penn بجائزة "أفضل ممثل مساعِد" عن دوره في فيلم "One Battle After Another"، مُحققًا ثالث جائزة "أوسكار" في مسيرته بعد فوزَيه السّابقَين بـ "أوسكار أفضل ممثل" عن فيلمَيْ "Mystic River" و "Milk". لكن اللّافت أن Penn لم يكن حاضرًا في القاعة لتسلُّم الجائزة، إذ غاب عن هذا الحفل وغيره مؤخرًا لأسبابٍ لم تُوضح رسميًا! ويُرجَّح أنّ غيابه مرتبط أيضًا بعلاقته المتوترة مع "أكاديميّة الأوسكار" في السّنوات الأخيرة، بعدما انتقدها علنًا عام 2022 لعدم دعوتها الرئيس الأوكراني Volodymyr Zelenskyy للتحدُّث خلال الحفل. وكان Penn قد لوّح آنذاك بشكلٍ ساخرٍ، بأنه قد يذيب تماثيله الذهبيّة إذا تجاهلت "الأكاديميّة" الحرب في أوكرانيا، ما عكس خلافًا سياسيًّا وثقافيًّا مع المؤسّسة المُنظمة لـ "الأوسكار" استمرّ صداه كما نرى حتى اليوم.
تقدير سينما الرّعب
وبعد ترشيح قياسيّ تاريخيّ لست عشرة جائزة "أوسكار"، لم يخرج "Sinners" خالي الوفاض، إذ حصد عددًا من الجوائز الفنيّة المُهمّة، بينها "أفضل تصوير سينمائي" (لأوّل سيّدة تفوز بهذه الجائزة في تاريخ "الأوسكار") و "أفضل موسيقى تصويريّة" و "أفضل سيناريو أصلي"، مؤكِّدًا تأثيره السّينمائي الكبير حتى مع خسارته جائزة أفضل فيلم.
أمّا فيلم "Frankenstein" فبرز في الجوائز التقنيّة، خصوصًا في فئات تصميم الإنتاج والأزياء والماكياج. كما شهد الحفل تتويج أعمال دوليّة لافتة، إذ فاز الفيلم النرويجي المُبدع Sentimental Value بجائزة "أفضل فيلم دولي"، بينما حصد الوثائقي "Mr. Nobody Against Putin" جائزة "أفضل فيلم وثائقي".
بدا حفل "الأوسكار" هذا العام أقل صخبًا سياسيًّا وأكثر تركيزًا على السّينما نفسها. وبينما هيمن فيلم واحد على معظم الجوائز، فإن تنوّع الأعمال الفائزة عكس صناعةً تبحث عن أشكال جديدة للحوار. وظهر واضحًا أن هوليوود ما زالت قادرة على مُفاجأة جمهورها، وأن القصص الجريئة، مهما كانت غير تقليديّة، يُمكنها في النهاية أن تنتزع التمثال الذهبي الأشهَر.