في السياسة كثيرًا ما تقود الشعارات الكبرى إلى نتائج معاكسة لما رُفعَت من أجله.
قد تُرفع راية المواجهة مع العدو، لكن السياسات التي تُدار باسمها قد تنتهي – من حيث لا يدري أصحابها – إلى خدمة أهداف العدو نفسه.
من هنا يفرض سؤال صادم نفسه على التجربة التي قادها "حزب الله" في لبنان خلال العقود الماضية:
هل أدت هذه السياسات، رغم كل شعاراتها، إلى تحقيق ما كانت إسرائيل تسعى إليه منذ زمن؟
ليس النقاش هنا حول النيات. فالنيات قد تكون مقاومة أو عقائدية، أو مرتبطة بصراعات إقليمية أوسع. لكن السياسة، في نهاية المطاف، تُقاس بالنتائج، والنتائج التي وصل إليها لبنان اليوم تفرض مراجعة هادئة وصريحة.
تآكل الدولة
أول هذه النتائج هو تعميق الانقسام الداخلي وتآكل فكرة الدولة نفسها.
عندما يصبح قرار الحرب والسلم خارج مؤسسات الدولة، وعندما تتحول البلاد إلى ساحة لمعارك تقررها جهة واحدة، يتسلل القلق تدريجيًا إلى بقية المكونات الوطنية.
مع مرور الوقت لم يعد الخلاف سياسيًا عابرًا، بل تحوّل إلى أزمة ثقة عميقة في فكرة الدولة المشتركة. وبدأت طروحات التقسيم، التي كانت حتى وقت قريب من المحرمات، تجد طريقها إلى المجال العام.
وهنا تبرز مفارقة خطيرة:
أليس تفكك الدول العربية إلى كيانات صغيرة ومتخاصمة أحد السيناريوهات التي طالما تمنتها إسرائيل للمنطقة؟
سقوط الدور الاقتصادي
النتيجة الثانية كانت اقتصادية بامتياز.
لبنان الذي كان يومًا مركزًا ماليًا وخدماتيًا بارزًا في الشرق الأوسط، وجد نفسه خلال سنوات قليلة خارج المنظومة الاقتصادية العالمية.
بلد كان يستقطب الرساميل والسياحة والاستثمارات، أصبح اليوم بلدًا معزولًا، مثقلًا بالأزمات والعقوبات، يفتقر إلى الثقة الدولية وإلى أبسط شروط النهوض الاقتصادي.
وفي الوقت نفسه تُرسم في المنطقة مسارات جديدة قد تبدأ من دمشق ولا تنتهي في تل أبيب، ما يعني عمليًا تراجع الدور التاريخي الذي لعبته العاصمة اللبنانية لعقود كمركز مالي وتجاري في شرق المتوسط.
أي أن ما لم تستطع إسرائيل تحقيقه بالقوة العسكرية، تحقق تدريجيًا عبر الانهيار الذاتي.
مرة أخرى، يصعب تجاهل المفارقة:
إضعاف بيروت اقتصاديًا كان دائمًا هدفًا استراتيجيًا غير معلن لإسرائيل.
النتيجة الثالثة هي إدخال لبنان في دوامة مخاطر دائمة:
ضربات عسكرية متكررة، حصار مالي، عقوبات، توترات داخلية مع الجيش اللبناني أو مكونات لبنانية أخرى.
وهذا أيضًا أحد السيناريوهات التي طالما حلمت بها إسرائيل.
من رفض الـ 1701 إلى التوسل لتطبيقه
لكن المفارقة الأكثر قسوة ظهرت في السنوات الأخيرة، في مسار الأحداث العسكرية.
فلبنان رفض لسنوات تنفيذ القرار الدولي 1701، ليس لأن الدولة لم تكن تدرك أهميته، بل لأن حزب الله رفض ذلك. ثم جاءت ما سُمّي حرب “مساندة غزة”، فدخل لبنان مواجهة مدمرة، وأتت النتائج ثقيلة للغاية:
دُمّرت 29 قرية لبنانية بالكامل وهُجّر سكانها، وتعرضت الضاحية الجنوبية لدمار واسع، وسقط عشرات آلاف اللبنانيين بين قتيل وجريح ومهجّر.
بعد ذلك، ذهب لبنان إلى اتفاق تشرين 2024، وهو اتفاق وصفه كثيرون بأنه أقرب إلى الاستسلام تحت ضغط الدمار. ومع ذلك لم يتوقف التصعيد، إذ واصلت إسرائيل عملياتها العسكرية واغتيالاتها التي تجاوزت خمسمئة عملية خلال خمسة عشر شهرًا.
وهنا ظهرت المفارقة الكبرى:
بعد سنوات من رفض القرار 1701، أصبح لبنان ينادي بتطبيقه ويتوسل تنفيذه. لكن القطار كان قد سبق الجميع.
حرب أخرى… وخسارة أكبر
ثم تكرر المشهد مرة أخرى.
دخل لبنان في ما اعتُبر حرب مساندة لإيران، فجاءت النتيجة مزيدًا من الدمار والتهجير واحتلال مساحات إضافية من الأراضي اللبنانية، إلى جانب كارثة اجتماعية واقتصادية تتفاقم يومًا بعد يوم.
واليوم، بعد كل ذلك، أصبح لبنان يطالب بتطبيق اتفاق تشرين، لكن الدول المعنية لم تعد متحمسة لذلك. بل وصل الأمر إلى حد طرح فكرة التفاوض المباشر مع إسرائيل، وهو أمر كان يُعتبر لعقود خطًا أحمر مطلقًا.
المفارقة أن هذا الطرح كان يومًا أحد الأحلام الاستراتيجية لإسرائيل. ومع ذلك، لا تبدو إسرائيل مستعجلة لقبوله الآن، مفضّلة الاستمرار في الضغط وتدمير ما تبقى من قدرات لبنان.
من خطاب الانتصار إلى واقع الخسارة
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم بسيط جدًا:
ماذا حقق كل ذلك للبنان؟
قبل سنوات كانت سردية حزب الله تتحدث عن احتلال الجليل خلال أربعٍ وعشرين ساعة.
اليوم أصبح الخطاب يبحث عن انتصارات رمزية صغيرة لتبرير واقع مليء بالخسائر.
هذا التحول وحده يكشف حجم الفجوة بين الشعارات والنتائج.
جردة الحساب المؤجلة
ربما حان الوقت لطرح فكرة بديهية لكنها ضرورية:
إجراء تدقيق وطني شامل في حصيلة السلاح خلال العقود الماضية.
أسئلة بسيطة لكنها أساسية:
ماذا حرّر هذا السلاح فعليًا؟
ماذا بنى في لبنان؟
وما حجم الكلفة التي دفعها البلد نتيجة هذه السياسات؟
في حرب “مساندة غزة” وحدها، قُدّرت الخسائر بنحو 14 مليار دولار، وهو تقريبًا الرقم الذي يحتاجه لبنان لإعادة إعمار ما دُمّر.
أما عربيًا، فقد انتقل لبنان من مرحلة الدعم الواسع بعد حرب 2006 إلى مرحلة شبه قطيعة سياسية واقتصادية، حيث أصبح الإعمار أو الدعم مشروطًا بحل مسألة السلاح.
وانتقل حزب الله، في نظر كثير من الدول، من حامل لواء القضية الفلسطينية إلى منظمة إرهابية تُتَّهم بتهديد الأمن الإقليمي.
هل كانت كل هذه القرارات لبنانية خالصة، أم جزءًا من صراع إقليمي أكبر تقوده إيران لتحسين شروطها في المفاوضات الدولية؟
مهما كان الجواب، فإن النتيجة واحدة: لبنان يدفع الثمن.
السؤال الذي لا مفر منه
السؤال اليوم لم يعد أيديولوجيًا ولا حتى سياسيًا.
إنه سؤال وجودي يتعلق بمستقبل لبنان نفسه، ومستقبل كل من يعيش على أرضه.
فإما أن يجرؤ اللبنانيون على إجراء مراجعة صادقة وشجاعة لمسار السنوات الماضية،
وإما أن يجدوا أنفسهم، مرة أخرى، عالقين في دوامة التراجع المتواصل…
والمأساة أن هذا التراجع لم يعد مجرد سقوط اقتصادي أو سياسي، بل أصبح أشبه بـ سياسة نحر بطيء للدولة، وانتحار جماعي للبنان، يُدفع فيه كل شيء نحو الانهيار بحسابات قد لا يدركها أصحاب القرار.
وعندها، ومع كل هذه الخسائر، سيبرز السؤال الأكبر:
من ربح الحرب فعلًا… ومن دفع ثمنها؟