"قائد المئة" و "لصّ الشمال"، روايتان عن "دار سائر المشرق"، من وحي الإنجيل حول شخصيّات عبرت على الطريق المقدّس، منها من وقف كقائد المئة ومنها من سقط كلصّ الشمال، وقد تناولهما ملحم الرياشي كجزءٍ من ثلاثيّته: "سمعان القيرواني" (تناولته "نداء الوطن" بتاريخ 19-11-2025)، و "قائد المئة" و "لصّ الشمال". وتنشر "نداء الوطن" اليوم مقتطفًا من الروايتَين، نضعهما أمام القارئ ليستقي منهما دروبًا جديدة نحو الخلاص والثقة والإيمان والصلابة والشجاعة والخوف والموت والقوّة.
من رواية "قائد المئة"
وُلِدَ بعيدًا من روما، لم يولد في روما. وكان يعرف، منذ كبر قليلًا، أن هذا وحده يكفي ليصنع فرقًا في المصير. في مدينةٍ إيطاليةٍ ثانوية، لا يذكرها الشيوخ في مجلس الشيوخ، ولا تُنقش على أقواس النصر، وُلد ماركوس فلافيوس مع أول صرخة فجرٍ بارد. كانت المدينة محاطة بتلالٍ صامتة، وكأنها تعلّم أبناءها الصمت قبل الكلام، والاحتمال قبل الشكوى. كان أبوه، فلافيوس الأكبر، جنديًا سابقًا في فيالق روما، خرج من الجيش بكتفٍ مثقوبة وساقٍ لا تركض كما كانت. لم يكن رجلًا كثير الكلام. كان يؤمن أن الكلمات تُضعِف الهيبة، وأن الهيبة أساس الطاعة.
في صباحٍ شتويّ، حين بلغ ماركوس السابعة، أوقفه أبوه أمامه، وأشار إلى الأرض بعصاه، "قف". وقف الصبيّ مستقيمًا من دون أن يسأل لماذا. نظر الأب في عينَيه طويلًا، ثم قال: "من لا يعرف كيف يقف، لن يعرف كيف يقود"، لم يفهم ماركوس المعنى كلّه، لكنه شعر بثقل الجملة، كأنها سيف وُضع في يده قبل أن يعرف كيف يُمسك به.
أمّه، ليديا، كانت نقيض أبيه. لم تكن تكره النظام، لكنها كانت ترى ما وراءه. في الليالي، حين ينام الأب مبكرًا، كانت تجلس قرب الصبيّ وتهمس له: "روما قوية، يا ماركوس… لكنها ليست أبدية". كان ينظر إليها بدهشة. "كيف؟ روما تحكم العالم". تقول وقد ابتسمت ابتسامة حزينة، "تحكمه الآن يا بنيّ. لكن الآلهة لا تحب من يظن نفسه خالدًا".
لم يكن ماركوس يحب حديث الآلهة. كان يفضل الأشياء الواضحة: أوامر، حدود، صفوف مستقيمة. ومع ذلك، علقت كلمات أمّه في داخله، مثل شقّ صغير في جدارٍ متين.
في سن الخامسة عشرة، شاهد أول موكب عسكريّ يعبر مدينتهم. رايات حمراء، دروع تلمع، وقع أقدام وصليل سيوف، كأن الأرض نفسها تطيع. في تلك اللحظة، شعر بشيء يتحرّك في صدره، ليس خوفًا ولا فرحًا، بل يقينًا. التفت إلى أبيه وقال: "أريد أن أكون مثلهم". لم يبتسم الأب. لم يعارض. قال فقط: "إن دخلت الجيش، فلن تكون لك نفسك". أجاب ماركوس بلا تردّد: "لا أريدها إن لم تكن قوية".
في تلك الليلة، لم تنم أمّه. جلست قربه وهو يجهّز أشياءه البسيطة. وضعت يدها على رأسه وقالت: "إن صرت قائدًا يومًا، فتذكّر أن السلطة تُعطى، لكنها لا تُستحق إلا بالرحمة. سحب رأسه بلطف، الرحمة تضعف القائد. نظرَت إليه طويلًا، كأنها ترى رجلًا لا صبيًّا. ستعرف يومًا أنها وحدها تُنقذه.
خرج ماركوس من المدينة عند الفجر. لم يلتفت. كان يؤمن أن الالتفات يُربك الخطى. لم يكن يعلم أن كل طريق، مهما بدا مستقيمًا؛ يخفي عند نهايته سؤالًا لا يُجاب عليه بالسيف. وهكذا بدأ طريقه نحو روما… من دون أن يدري أنه يسير، في الحقيقة، نحو رجلٍ مصلوب (...).
في تلك اللحظة، انكسر شيء في داخله. كيف يدخل هذا الرجل بيت قائد روماني؟ كيف يسمح بذلك؟. "يا معلم، لستُ مستحقًا أن تدخل تحت سقفي. قل كلمة فقط، فيبرأ غلامي، أنا أيضًا لديّ سلطان وأقول لهذا اذهب فيذهب وأعرف أنه قد نفذ الأمر... صمت قائد المئة وعيناه عالقتان في عينَي يسوع، من ثم تابع، " سيّدي أنا لا أريد أن أرى ولستُ بحاجة لأن أرى، ثق أني أعرف يا سيدي!.
حين وصلت الكلمات إلى يسوع، توقف. نظر حوله، ثم قال بصوت سمعه الجميع: "لم أجد إيمانًا كهذا في إسرائيل". شعر ماركوس بهذه العبارة، وكأنها اجتازت المسافة من دون قدمَين.
في تلك اللحظة، فهم ما لم يفهمه طوال حياته: أنا رجل تحت سلطان… وأعرف معنى أن تأمر فتُطاع. لكن هذا الرجل لا يأمر أحدًا… ومع ذلك، كلّ شيء يطيعه. قال له يسوع وهو يحدّق في ما وراء عينَيه مستشرفًا الزمن الآتي له بعد القيامة: "اذهب فقد تم لك ما تريد!".
عاد إلى بيته مسرعًا. فتح الباب. دخل الغرفة. كان لوقا جالسًا، يتنفس بعمق، وعيناه صافيتان وقد عادت إليه الصحة. حُكم عليه بالموت في حلبة عامة. كان الجميع يشهد، وكان جسده محاطًا بالرعب. لكن قلبه كان هادئًا كما لم يكن من قبل. حين أُطلقت عجلات الموت، لم يصرخ. لم يهرب. وقف ثابتًا، كما وقف أمام الصليب، في تلك اللحظة، شعر أن روحه تحرّرت من كل القيود، تمامًا كما حرّر يسوع عبدَه في فلسطين. وقف صلبًا، نظر إلى السماء، تذكّر الصليب، قال له: "يا رب لا أريد أن أرى، إني أعرف ، وأعرف أنك هنا"... ثمّ التفت ناحية أورشليم، رفع يمناه وهتفَ: "بين يديك استودع روحي!". وقع على الأرض، قائدًا وإنسانًا معًا... وأسلم الروح!
من رواية "لصّ الشمال"
وُلد في العتمة التي لا تسأل، باطل الأباطيل، قال الجامعة، باطل الأباطيل، الكلّ باطل… وما الفائدة للإنسان من كل تعبه؟ لم يكن جسْمَع يعرف هذه الكلمات، لكنها كانت تعرفه. كان الليل الذي وُلد فيه يشبه سؤالًا بلا جواب. سماء منخفضة، كأنها اقتربت من الأرض لتتأكد أن لا أحد ينتظر منها شيئًا. في زقاق ضيّق من أورشليم، حيث البيوت تتكئ على بعضها البعض خوفًا من السقوط، خرج جسْمَع إلى الحياة كما يُلقى حجر في بئر. بلا وداع، وبلا صدى. أمه لم تصرخ. النساء الفقيرات لا يصرخن، لأن الصراخ ترف، ولأن الألم حين يتكرّر يفقد رغبته في الإعلان. فتح عينَيه، ولم يكن الضوء أول ما رآه.
كان الظلّ، ظلّ السقف المتشقق، وجه أمّه بكلّ تجاعيده التي رسمتها الحياة، وظلّ مستقبل لم يكن ينتظر إذنًا كي يبدأ. كان أبوه واقفًا عند الباب. رجل أنهكته الأيام لا لأنها قاسية، بل لأنها بلا معنى. نظر إلى الطفل كما يُنظر إلى دينٍ جديد، ثم أدار وجهه. منذ تلك اللحظة، تعلّم جسْمَع درسًا لن ينساه: أن الوجود لا يشرح نفسه، وأن الإنسان يُترك لوجعه وحده.
كبر الطفل، بصمتٍ كما تكبر الأشجار، وكما تتكوّن الأسئلة في رأس رجلٍ لا يجد إجابات. كان يرى إخوته يخرجون مع الفجر، وجوههم شاحبة، أيديهم متشققة، لكن خطواتهم مستقيمة. كانوا يعملون في الحقول، في السوق، في الزيتون، في ورشٍ ضيقة تفوح منها رائحة العرق لا الدم. وفي كلّ مساء، كانوا يعودون متعبين، لكنهم ينامون ملء جفونهم، وهذا ما لم يفهمه جسْمَع.
كان يسأل نفسه، وهو يراقب ظهورهم المنحنية: كيف يستطيع الإنسان أن يقبل التعب الذي لا يغيّر شيئًا؟ كيف يرضى أن يكرّر اليوم ذاته، والفقر ذاته، والصمت ذاته؟
في داخله، كان صوت آخر يتكوّن ببطء، صوت يشبه ما قاله أيوب قديمًا: ألم يكن أفضل لي لو لم أولَد؟ ليس رغبة في الموت، بل احتجاجًا على ولادة بلا وعد. كانت أمّه تحبّه. كان يعرف ذلك. لكن الحب وحده لا يطعم، ولا يحمي، ولا يفسّر. كانت تجلس قربه ليلًا، تضع يدها على رأسه، وتهمس بصلوات تعلّمَتها كما يتعلّم المرء عادةً قديمة، من دون انتظار جواب. كان ينظر إلى شفتَيها تتحرّكان، ويسأل نفسه: "هل الله أصمّ؟ أم هو متعب مثلنا؟". عاد أحد إخوته بجرحٍ في يده. قال إن أجره لن يُدفع هذا الأسبوع. ضحك الأب ضحكة قصيرة، ثم سكت.
في تلك الليلة، لم ينم جسْمَع. لم يكن جائعًا فقط، كان واعيًا وعي صغيرٍ؛ لكنه خطير: أن العالم لا يكافئ من يطيعه، بل من يفرض نفسه عليه. حين بلغ سنًا تسمح له أن يفهم، فهم شيئًا واحدًا بوضوح قاسٍ: أن العمل لا يمنح الكرامة، بل يؤجل الإذلال.
في الزنزانة، الصمت كان يثقل كلّ شيء. يسوع كان صامتًا، لكن حضوره كان صارخًا، أقوى من كل سلاح، وأكثر من كل إنسانية. (...)
قال جسْمَع في داخله، آخر كلمات قبل أن يجهَّز للمصير، هذا هو الأمل الوحيد الذي يمكن أن يعيد الوقت إلى صباحات أجمل، سوف أحاول علّني أحيا. جلسا على أرض الزنزانة، بينما الضوء الخافت يتسلّل من الشقوق. الدقائق كانت ثقيلة كالأحجار المستطيلة، والصمت يضغط على الحلق كما لو كان يُملي كلّ فكرة قبل أن تُقال. دِيسْمَا كسر الصمت أخيرًا، وهمس بصوت مرتجف: "لقد سمعت كلامه، يقولون إنه ابن الله… هل تصدّق؟".
جسْمَع ابتسم ابتسامة قاسية، ضحك المرارة والرفض: "أصدّق؟ طبعًا لا… وحتى لو صدّق، لا يهمّ. لم يأتِ ليخلّصنا من مصيرنا، ولا ليغيّر شيئًا… كلّ شيء محتوم منذ البداية".
تنهد دِيسْمَا، حاول أن يجد كلمات تريح قلبه، ولكنه يقدّم المغفرة. قال أيضًا: "ويمكننا أن نطلبها… أن ننال الرحمة".
نظر جسْمَع إليه بعينَين لا تعرفان التراجع: "المغفرة؟! أنت تتحدّث عن خداع نفسك، عن الاعتراف بأنك ضعيف، وكأن الله سيستبدل ما هو محتوم بفضل كلماتك. لن يحدث هذا. العالم لا يرحم، والقدر لا يلغى"… وتابع قائلًا: "أريد خلاصًا لا مغفرة، أريد أن أهرب من هذا الصليب وأعود إلى أهلي لا مغفرة، ولا خطايا وخطأة! لقد اخترنا الحرية حتى القتل"، أضاف جسمع "ولنا أن نحملها حتى النهاية".
قال دِيسْمَا بعد صمت: "أي حريّة؟! ألم يكن هذا سبب كل ما فعلناه؟ إن لم نطلب النجاة، فإن كلّ شيء عبث.. شيءٌ في داخلي يؤكد لي أني خاطئ". جسْمَع نهض قليلًا، وكل حركاته كانت إعلانًا: "العبث؟ نعم، كل شيء عبث يا ديسما، لكن هذا العبث أعطانا فهمًا لا يستطيع أحد أن يأخذه منا. الحرية ليست في النجاة، ولا في الغفران، بل في مواجهة الحقيقة، حتى ولو تحت الصليب. لماذا يُسمح للظالم أن يبقى، ولماذا يُسحق البريء بلا سبب؟".
الإجابة ليست في هذا العالم، ولا في الإله، بل في قدرة الإنسان على الوقوف أمامه بلا خداع. دِيسْمَا بدأ يصرخ قليلاً: "لكن… أنا أريد النجاة… أريد المغفرة!"
نظر جسْمَع بعيونٍ يعلوها صمت الحديد، ثمّ ألقى بثقل يدَيه على رقبة ديسما قائلًا بصوت مرتجف: "أنا لا أطلب الغفران. أنت تختار ما تشاء… لكنني اخترت أن أواجه النهاية بعينَين مفتوحتَين... إما النجاة أو الموت، موت الفناء.. نعم الفناء. وكل النهايات أفضل من حياتي!".
لقاء حول الثلاثيّة دعا "الصالون الأدبي" في "معهد فيلوكاليّا" إلى لقاء مع الأستاذ ملحم الرياشي حول ثلاثيّته: "سمعان القيرواني" و "قائد المئة ولصّ الشمال"، السبت 11 نيسان 2026 في "معهد فيلوكاليّا" (دير الزيارة) - عينطورة. يحاوره خلاله الشاعر هنري زغيب وتفتتحه الأخت مارانا سعد وتتخلله مداخلة للأديب والشاعر سهيل مطر. ثم يوقع المؤلف إصداراته. |

