أحمد الأيوبي

كيف يكون للاحتلال (الإيراني) سفير؟

4 دقائق للقراءة

لا يوجد أوقح من إيران وأذنابها في لبنان بالمطلق، فهم وقحون في ادّعائهم الحرص على السلم الأهلي تحت فوهات بنادقهم، وهم وقحون في محاولتهم فرض طهران قوّة احتلال قابلة للتطبيع معها والاستمرار في قبول سفراء الحرس الثوري و "البيجر" وهم يلبسون لبوس الدبلوماسية، بينما يديرون فعليًا عصابات "حزب اللّه" على الأراضي اللبنانية، ويخوضون الحرب انطلاقًا منها كقوّة احتلال كاملة الأوصاف، تغتصب جزءًا من أراضي الدولة، وتعتدي على السيادة باختطاف قرار الحرب، وتسبِّب الدمار والتهجير لشريحة كبيرة من الشعب، وفوق كلّ هذا تريد إيران أن يكون لها سفير يمثل احتلالها لبنان.

سبق أن طالبنا الدولة اللبنانية بإعلان قوات الحرس الثوري في لبنان قوّة احتلال، وأن يجري التعامل مع إيران كدولة احتلال يجب قطع العلاقات معها كليًّا وليس فقط طرد سفيرها الذي يقف على رأس المنظومة الأمنية والعسكرية التابعة للولي الفقيه في لبنان مع تشعباتها، ومن هنا يأتي رفض طهران استدعاء سفيرها فضلًا عن إعلانه شخصًا غير مرغوب فيه، فالعجرفة الإيرانية ترفض الاعتراف بسيادة لبنان في قراره السيادي الخارجي والداخلي، لذلك أقدم السفير المطرود محمد رضا شيباني على عصيان قرار الدولة اللبنانية بإبعاده عن لبنان، في إطار الصراع الإقليمي الواسع الذي تخوضه طهران من أجل البقاء.

تحوّل السفير الإيراني عمليًّا إلى شخص مقيم بطريقة غير شرعية في لبنان. وبينما لم تتحمّل رؤوس "حزب إيران" قرار وزير الخارجية يوسف رجي إبعاد ممثل وليّ نعمتهم، وبينما يفحّ محمود قماطي حتى انقطاع النفس في إعلان ولائه الأعمى لإيران، يواصل "حزبه" البلطجة على رئيس الحكومة نواف سلام، ويستمرّ في احتلال شوارع بيروت المتاخمة للسراي الحكومي تحت عنوان الاعتصامات والمظاهرات مع إطلاق شعارات التخوين والطعن الشخصي بسلام في تعبير عن اختناقهم من الدولة.

إن استمرار وجود السفير في لبنان يُعدّ انتهاكًا للأعراف الدولية ودليلًا إضافيًا على تقويض إيران السيادة اللبنانية، وهذا يوجب على الدولة اتخاذ خطوات لفرض عقوبات على إيران لانتهاكها سيادتها، بما في ذلك إغلاق الجمعيات والمؤسسات المرتبطة بطهران في لبنان وقطع العلاقات الدبلوماسية، مع مطالبة واضحة للدولة بكامل أركانها، وخاصة رئيس الجمهورية جوزاف عون بموقف واضح تجاه طرد السفير من لبنان وعدم التراجع عن القرار أو تجاهله تحت أيّ ظرف من الظروف.

لم يعد يمكن التعامل مع إيران على أنها دولة لنا معها مشكلة متداخلة، بعد أن حوّلت قسمًا كبيرًا، إن لم يكن القسم الأكبر، من الشيعة في لبنان، إلى جالية إيرانية تابعة لها بشكل مطلق، بل كشفت التطوّرات الراهنة، ما كان كامنًا ومسكوتًا عنه، كما كان الحال زمن الاحتلال الأسدي للبلد، وهي أن طهران قوة احتلال، وهذا يوجب إعلان الدولة وتعاملها مع هذا الواقع على هذا الأساس، كما يوجب إسقاط الانتماء اللبناني عن عصابة "حزب اللّه" سياسيًا وإعلاميًّا، بعد أن سقط أخلاقيًّا ووطنيًّا، فهذا "الحزب" وصل إلى نهاية الخط، التي فرضت عليه لعب آخر أوراقه، وهي الدفاع عن إيران ولو أدّى ذلك إلى تدمير البلد وتعريضه للاحتلال الإسرائيلي من جديد.

إنها الحرب الأخيرة التي اصطفّت فيها عصابة "الحزب الأصفر" مع إيران في تخادم غير معقول مع إسرائيل، بعد أن أعطتها الصواريخ الستة لـ "الحزب" فرصة الدخول والاحتلال وإسقاط البلدات والقرى وصولًا إلى مياه الليطاني، مع تقديم تبرير سخيف لهذا التداعي في تصدّي "الحزب" للاحتلال، هو أن "الحزب" لا يحتفظ بالأرض، بل يقاتل على قاعدة الكرّ والفرّ في تناقض مع سرديّته عن القدرة على منع التوغل الإسرائيلي.

يرفض اللبنانيون وجود سفير إيران في لبنان لأنه لا يُعقل أن يكون لدولة الاحتلال سفير، فالدولة تتموضع في أغلبية لبنانية حرّة، وستكسر القيود وتحرِّر لبنان مرّة واحدة وإلى الأبد من أسوأ احتلال مرّ في تاريخه الطويل.