جيمس باركر

ما الذي يدفع الكتّاب إلى معاقرة الكحول؟

9 كانون الثاني 2021

المصدر: The Atlantic

02 : 00

يشمل فيلما Mank للمخرج ديفيد فينشر و Last Call (النداء الأخير) لستيفن بيرستاين مناجاة فردية لكتّاب ثملين لأن بطل القصة في العملَين هو كاتب ثمل. في فيلم Mank، يكون كاتب السيناريو هيرمان "مانك" مانكيفيتس الذي قدّم أعمالاً مثل Citizen Kane (المواطن كاين) بطل القصة. أما Last Call، فيتطرق إلى قصة الشاعر الويلزي ديلان توماس. كان مانك لامعاً وتوماس عبقرياً ولم يفتقر أي منهما إلى عمق البصيرة رغم إفراطهما في شرب الكحول. ما هي الدروس التي يمكن استخلاصها منهما عن الرابط بين الكتابة والشرب؟

توفي مانك وتوماس في العام 1953: مانك بسبب أضرار الكحول، وتحديداً التسمم البولي؛ وتوماس بسبب استهلاكه 18 زجاجة ويسكي ثم تلقيه جرعة من المورفين من أحد الأطباء. كان مانك يبلغ حينها 55 عاماً وتوماس 39. اعتبر الرجلان نفسَيهما فاشلَين على مستويات عدة. انجذب مانك إلى هوليوود (مع نصف الأدباء من أبناء جيله)، بعدما كان يرتاد كلية "ألجونكوين" وشارك في تأسيس مجلة "نيويوركر" بسبب الأرباح المادية المتوقعة هناك، لكنه كان يزدري بقطاع صناعة السينما. أما توماس، فأصبح بحلول العام 1953 شاعراً يفتقر إلى الإلهام بالكامل، فكتب ست قصائد فقط في آخر ست سنوات. انطلق من قرية الصيد "لوغارن" في ويلز إلى الولايات المتحدة وشارك في جولات قراءة سعياً لجني الأموال (كانت ديونه هائلة مثل مانك)، لكنه كان يبحث أيضاً عن "التقدير والأعمال الدرامية والأصدقاء"، كما يقول. (كان رأي زوجته مختلفاً، فهي اعتبرت أنه يبحث فعلياً عن "الإطراء والكسل والخيانــــــة").

شعر الرجـــلان بأنهما عالقان ومكبّلان وعبّرا عن هذه المشاعر باتزان مفاجئ. فكتب مانك في العام 1942: "يبدو أنني أصبحتُ أقرب إلى فأر عالق في مصيدة صنعتُها بنفسي. إنها مصيدة أُصلحها دوماً حين ألاحظ ظهور أي فتحة تسمح لي بالهرب". وفي مرحلة لاحقة، كتب مع اقتراب نهاية حياته: "لا أعرف كيف يستطيع المرء أن يبدأ العمل في مهنة لا يحبها ثم يجد نفسه رجلاً مسنّاً قبل أن يدرك ذلك".

إختبر توماس الوضع نفسه منذ أن كان في عمر الواحد والعشرين، فكتب لصديقه فيرنون واتكينز في العام 1936 عن تجربة الكتابة أو غياب الإلهام: "لا أستطيع أن أشعر بتحرر حقيقي كي أجمع الكلمات بالشكل المناسب. أشعر اليوم أكثر من أي وقت مضى بأنني أضع كل ما أعرفه وأملكه في حقيبة ثم أقفلها بإحكام".

ما هو القاسم المشترك بين الحالتَين؟ هل تتعلق المشكلة بالكتابة بحد ذاتها؟ كتب المرشد في ممارسات الاسترخاء "زِن"، هنري شوكمان، الذي كان في السابق شاعراً وروائياً وصحافياً فاز بجوائز عدة، مذكرات بعنوان One Blade of Grass (شفرة عشبية واحدة) في العام 2019، فوصف اللحظة التي أدرك فيها أنه يستطيع أخيراً التخلي عن طموحاته الأدبية والتوقف عن الكتابة نهائياً بعد فترة من الصراعات وشحّ الأفكار.

يبدو أن شيئاً لا يُسهّل هذه التجارب القاسية أكثر من شرب الكحول. لا داعي ليكون الشخص مدمناً كي يعرف مفعول الكحول في ظروف مماثلة. في ما يخص الكتّاب تحديداً، قد تنشأ لحظة بيوكيماوية هشة تدفعهم إلى الشرب (بدأ مانك كتاب Citizen Kane وهو في حالة من الوعي القسري لأن هذه المرحلة تَلَت تعرّضه لحادث سير، لكنه أنهى العمل وهو يشرب).

تقاسم مانك وتوماس نقاطاً مشتركة أخرى أيضاً، فقد توجّه كلاهما نحو الغرب. تُعتبر الحاجة إلى المال جزءاً طبيعياً من الوضع البشري وقد كان هذان الكاتبان بأمسّ الحاجة إليه. لذا توجّها إلى الولايات المتحدة وتعرّفا على عالم مختلف: ذهب مانك مع مصيدة الفئران الخاصة به، وتوماس مع حقيبته المغلقة. سرعان ما استُنزِفت قدراتهما هناك.

لكن لا بد من تقييم الوضع بحذر: لو لم يغادر مانك كلية "ألجونكوين" ويقصد هوليوود السوقية والقادرة على استنزاف الأرواح، ما كان كتاب Citizen Kane ليبصر النور. ولو لم ينطلق توماس نحو الولايات المتحدة في مناسبات متكررة ويدمّر نفسه هناك ويغرق في جحيم التملق الأميركي، ما كان كتابUnder Milk Wood (تحت خشب الحليب) ليصدر يوماً. يمكن القول، إذاً، إن أزمة إدمانهما على الكحول كانت جزءاً من مسيرتهما الشاقة لتحقيق أهداف مستحيلة. لقد كانت شياطينهما ومصادر إلهامهما وحشية بمعنى الكلمة ولطالما بدت معاييرهما عالية المستوى بدرجة لا يمكن تصوّرها. لكن هل كان أيٌّ منهما ليحقق ما وصل إليه في مجال الكتابة بطريقة أخرى؟


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.