من أحداث حقيقيّة تنطلق رواية الأستاذة الجامعية الدكتورة جويل رمزي فضّول "باخرة القدر" المصنفة ضمن فئة الـ "Novella" (رواية قصيرة)، متجاوِزةً السَّرد الواقعيّ إلى بناءٍ رمزيّ متكامل ومنطلِقةً من حكاية غرام بين رجل وامرأة إلى مرآة تعكس صراعات إنسانيّة يمرّ بها المرء تارةً بين الحنين والحريّة، والذكرى والمصير، وطورًا بين الخيبات والأثقال والوفاء.
واقع اجتماعيّ
الرواية، بحسب كاتبتها، "تعكس واقعًا اجتماعيًا يتقاطع مع التجربة اللبنانية والعربية الراهنة حيث تتداخل المعتقدات الموروثة مع الفوارق الاجتماعية، وحيث يجد الفرد نفسه محاطًا بقناعات جاهزة قد لا تمنحه السلام الداخلي". بالنسبة إلى فضّول، "عندما يسلّم الإنسان نفسه للقدر من دون مواجهة، يُصبح مستسلِمًا غير قادر على مواجهة نفسه ولا المجتمع. في المقابل، وحده الاقتناع بالخيارات، حتى لو اكتشف المرء أن بعض المبادئ الموروثة كانت تورّطه أكثر ممّا تنقذه، يقوده إلى سلامه الداخليّ".
وفي حديث مع "نداء الوطن" تضيف الدكتورة جويل رمزي فضّول: "اخترت عنوان "باخرة القدر" لأن القصّة كلّها مبنيّة على الرموز، حتى إن أسماء الشخصيات تحمل دلالات مقصودة. وهذا الوعي الرمزيّ ينسحب على عناصر العمل كافة، وفي مقدّمها الباخرة التي تشكّل الصورة المركزية في النصّ". ترى فضّول أن الباخرة "هي أكثر وسيلة نقل تعبّر عن حال الإنسان حين يدخل في صراعات المياه والأمواج والعواصف. فهي تشق البحر لتصل إلى شاطئ الأمان، كما يشق الإنسان أزماته ليصل إلى سلامه الداخلي. وهكذا تتحوّل الرحلة البحرية إلى استعارة وجوديّة لمسار الفرد في مواجهة التحوّلات والخيارات القاسية".
أمّا القدر فيبقى، بحسب فضّول، "حاضرًا حتى لو كان الإنسان مسؤولًا عن خياراته. والمسألة ليست في إنكار القدر، بل في كيفيّة مواجهته بوعي وحكمة وإيمان وعزم، سعيًا إلى التوازن بين الإرادة الشخصية والمسار الذي تفرضه الحياة".
قضيّة التحرّر
يحتلّ البحر مساحة أساسية في الرواية حضورًا ودلالة. عن هذا الجانب، تقول مؤلِّفة كتابَي "صرخة من الأعماق" و "غدّار يا زمن"، إن "المياه رمز الولادة والتجدّد، والبحر بالنسبة إليّ ليس مجرّد خلفية جمالية، بل هو عنصر حيّ يتداخل مع التجربة الإنسانية". وتصف علاقتها بالبحر بكونها ذاتيّة وروحيّة وشعريّة، فهي تراه نوعًا من العلاج إذ يكفي أن ينظر الإنسان إلى صفاء مياهه ليشعر بالسكينة، "لكن هذا الصفاء لا يلغي وجهه الآخر، فهو يجسّد أيضًا الصراعات. وفي هذا السياق، يتحوّل البحر إلى صورة للغرق كما للخلاص، وللانكسار كما لإمكانية البدء من جديد"، تقول فضّول.
وتبرز في صلب رواية "باخرة القدر" قضيّة التحرّر التي تتوزع بحسب فضّول على: التحرّر من التعلّق، ومن المعتقدات الخاطئة، ومن الموروثات الاجتماعية التي نعيد إنتاجها جيلًا بعد آخر، ومن القيود التي تشدّ الإنسان إلى أرض لا تشبهه. كلّ ذلك يدفع المؤلِّفة لطرح سؤالها الجوهري: "إلى أيّ حدّ يمكن للإنسان أن يتحرّر، لو كان الثمن مواجهة المجتمع أو خسارة ما اعتاد عليه؟". وتؤكّد: "إذا لم يصل الإنسان إلى سلامه الداخلي، فلا يمكن أن نسمّي ما قام به تحرُّرًا حقيقيًّا".
تعرّفوا إلى "داليا"
بطلة الرواية تدعى "داليا" التي تجسّد هذا الصراع بين العقل والقلب. "داليا" هي الصوت الداخليّ للدكتورة جويل رمزي فضّول، وصوت كلّ إنسان يمرّ بهذه التجارب. وتضيف الكاتبة: "القلب يسعى إلى الشفاء والراحة، بينما يتصرّف العقل بحكمة كبرى، وأحيانًا بصرامة وقسوة. وهذا التوتر لا يقتصر على علاقة عاطفية بل ينسحب على العلاقات الاجتماعية كافة، حيث يقف الإنسان أمام مفترق دائم بين ما يشعر به وما يعتقد أنه صواب".
نسألها عن نهاية الرواية، فتجيب الكاتبة أنها أثارت جدلًا واسعًا بين القرّاء، وتعترف: "تساءلتُ كثيرًا هل أُنهي القصّة كما يتوقع القارئ أم أختار نهاية مفاجئة؟. فاخترتُ الخاتمة صادمة، للبطلة كما للقرّاء، مع مساحة مفتوحة للتأويل انسجامًا مع مسار التحرّر الذي تخوضه الشخصيّة".
سلام داخلي
هذا العمل لم يغيّر مفهوم كاتبته للقدر، لكنها تعلّمَت أن "الإنسان هو من يقرّر مواجهة القدر أو الاستسلام له". وتقول فضّول إنها بعد الصفحة الأخيرة لا تنتظر من القارئ سوى الجرأة: "أتمنّى أن يجرؤ كلّ قارئ على تحرير نفسه ليكسب سلامه الداخلي، لأن أيّ تحرّر لا يمنح سلامًا داخليًّا ليس تحرُّرًا".
وبذلك تُعيد "باخرة القدر" والتفكُّر بمضمونها، طرح أسئلة حول علاقة الإنسان بمصيره وحدود حرّيته، علمًا أن الكاتبة تستعدّ للانطلاق في وضع جزء ثانٍ للرواية القصيرة تستكمل من خلاله رحلة سرديّة تُواصِل مساءلة القدر من موقع الوعي والمسؤولية.
إِشارةً إلى أن حفلًا لإطلاق الرواية ومناقشتها، كان مزمعًا أن يحتضنه الشهرَ الماضي "معهدُ الآداب الشرقية" في "كلية الآداب والعلوم الإنسانية" التابع لـ "جامعة القديس يوسف في بيروت"، لكن دخول "حزب اللّه" في حرب مع إسرائيل أدّى إلى إرجاء الاحتفاليّة إلى موعد يُحدّد في وقت لاحق.
جويل ر. فضّول في سطور لبنانية من مواليد بلدة بعبدات في المتن الشمالي. هي مسؤولة برنامج الدكتوراه في "معهد الآداب الشرقية" في "جامعة القديس يوسف - USJ". حائزة شهادة دكتوراه في اللغة العربية وآدابها، ودبلومًا في تصميم الوسائل المتعدّدة الوسائط. وهي أستاذة جامعيّة محاضرة في "جامعة القديس يوسف - USJ" و "جامعة القديس جاروجيوس - SGUB"، وعضو مجلس في لجان مناقشة الأطاريح والرسائل. تعمل فضّول أيضًا كمستشارة لغويّة ومصمِّمة وسائل تعليميّة ومدرِّبة معتمدَة. صدر لها: "صرخة من الأعماق"، و "غدّار يا زمن"، عن "الدار العربية للعلوم"، فضلًا عن أبحاث علميّة لبنانيّة وعربيّة مُحَكَّمة، ومقالات نُشرت في الصحافة الورقيّة والإلكترونيّة. |
