لم يعد ممكناً تفسير سلوك السلطة اللبنانية بالعجز وحده، ولا بالارتباك، ولا حتى فقط بالخوف من الحرب الأهلية. ثمة ما هو أعمق: المنظومة الحاكمة لا تتصرف كما لو أن مشكلتها الأساسية هي السلاح غير الشرعي، بل كما لو أن مشكلتها الأخطر هي قيام دولة فعلية. فالدولة الحقيقية تعني قراراً واحداً، وسلطة واحدة، ومحاسبة واحدة، وقضاءً يفتح الملفات، ومؤسسات لا تعيش على التسويات الرمادية. وهذا بالضبط ما يهدد شبكة المصالح التي بنت نفوذها على ازدواجية الشرعية، وعلى تقاسم السلطة بين الدولة وما فوق الدولة، وبين القانون وما يعطّله، وبين المرفق العام وما يخصخصه أهل النظام لمصالحهم.
من هنا، لا يبدو ما تقوم به السلطة اللبنانية مسعىً جدياً لإخراج البلاد من المأزق الذي أدخلها فيه حزب الله، بقدر ما يبدو إدارةً للمأزق بما يمنع سقوط الحزب والمنظومة معه دفعة واحدة. فكلما اقترب السؤال من جوهر الأزمة - من يملك قرار الحرب والسلم؟ من يحتكر السلاح؟ من يقرر مصير الجنوب وحدود الدولة؟ - سارعت السلطة إلى نقله من خانة القرار إلى خانة الوساطة، ومن خانة الحسم إلى خانة التفاوض، ومن خانة السيادة إلى خانة شراء الوقت.
هنا بالذات تظهر فرنسا. لا لأنها تملك اليوم قدرة حاسمة على فرض الحل، بل لأنها تؤدي وظيفة مثالية للمنظومة اللبنانية: تمنحها دبلوماسية بلا أثمان فورية. تقول ما تحب السلطة سماعه: إصلاحات، دعم للجيش، سيادة، تهدئة، إعادة إعمار، تفاوض. أما السؤال الصعب — من ينزع الازدواجية من قلب النظام اللبناني؟ — فيبقى مؤجلاً، أو مغلفاً بعبارات رخوة. وهكذا تتحول باريس، في الحساب الرسمي اللبناني، إلى نافذة مريحة على الخارج: تمنح شرعية شكلية للحركة، من دون أن تفرض كلفة القرار.
وهنا تكمن العقدة التي تخفيها السلطة خلف خطاب “الواقعية”: هي لا تريد إنهاء السلاح إذا كان ثمن ذلك إعادة تأسيس الدولة. لأن بناء الدولة ليس إجراءً إدارياً، بل انقلاباً على قواعد النفوذ القائمة. الدولة الفعلية تعني نهاية اقتصاد التعطيل، ونهاية الاحتكار الطائفي للمؤسسات، ونهاية الحماية المتبادلة بين مراكز المال والقرار والزبائنية، ونهاية استخدام الخطر الأمني ذريعةً دائمة لتجميد المحاسبة. لذلك يصبح السلاح، بالنسبة إلى جزء نافذ من الأوليغارشية، ليس مجرد عبء، بل أيضاً أداة توازن، وحق نقض دائم، وسقفاً يمنع أي إعادة توزيع جدية للسلطة.
الأخطر أن هذه المنظومة لا تكتفي بحماية هذا الواقع، بل تبتز اللبنانيين بالخوف منه. فهي تقدم نفسها دائماً كسد أخير في وجه الفوضى، وتتعامل مع أي طرح سيادي حاسم كما لو أنه مشروع حرب أهلية. هكذا يُطلب من اللبنانيين القبول الدائم بالتسوية الناقصة، والتعايش القسري مع ازدواجية قاتلة، فقط لأن البديل يُقدَّم لهم باعتباره كارثة. فيما الحقيقة أن الكارثة ليست في طرح الدولة، بل في استمرار الهروب منها.
في هذا السياق، لا تحاول فرنسا حماية حزب الله كحزب، بل تحاول حماية الصيغة التي يستفيد منها حزب الله والمنظومة معاً. وهذا هو الامتداد الفعلي للإرث الذي تركه الانتداب: لا بوصفه استعماراً مستمراً حرفياً، بل بوصفه بنيةً سياسيةً طائفيةً-زبائنية ساهم في ترسيخها، ثم ورثتها طبقة لبنانية طورتها وخصخصتها وأعادت إنتاجها مع رعاة جدد. لذلك لا تبدو فرنسا اليوم قادرة على التحكم بلبنان، لكنها لا تزال تتحرك داخل منطق الصيغة القديمة: إنقاذ التوازن، لا هدمه؛ إدارة الانفجار، لا إعادة تأسيس الدولة.
والدليل أن فرنسا نفسها جُرِّبت وفشلت. بعد انفجار المرفأ، تحدث إيمانويل ماكرون بلهجة قاسية، وبدا وكأن باريس تريد دفع لبنان نحو حد أدنى من الإصلاح والانضباط، لكن المبادرة سقطت لأن المنظومة كانت أقوى من أي ضغط ناعم، ولأن أركان النظام، وفي مقدمهم حزب الله، لم يكونوا مستعدين لدفع ثمن تغيير فعلي. تلك اللحظة لم تكشف فقط حدود المبادرة الفرنسية، بل كشفت ما هو أخطر: أن المنظومة اللبنانية تستطيع استقبال كل خطاب إصلاحي ما دام لا يتحول إلى مسار يُسقط قواعد بقائها.
ثم جاءت المرحلة اللاحقة لتؤكد أن الدور الفرنسي لم يعد قادراً حتى على لعب دور الضامن المؤثر. صحيح أن باريس بقيت شريكاً في التهدئة، وفي دعم الجيش، وفي رعاية الخطاب الدولي حول السيادة، لكن الصحيح أيضاً أن الثقل الفعلي كان أميركياً، فيما القرار الميداني كان إسرائيلياً. ومع كل جولة جديدة، صار واضحاً أن فرنسا لا تملك لا القدرة على فرض حل، ولا القدرة على جعل مقاربتها هي المرجعية المعتمدة. هي تُستعمل حين تكون نافعة في التهدئة، ويُتجاوز دورها حين يبدأ رسم الوقائع الفعلية.
وهنا جوهر المأزق اللبناني الراهن. فالسلطة تتمسك بفرنسا لا لأنها الأقوى، بل لأنها الأريح: تمنحها لغة دولية محترمة، وخط اتصال مع الغرب، وواجهة دبلوماسية لا تفرض عليها فوراً الثمن الذي قد تطلبه واشنطن، ولا تضعها مباشرة أمام المنطق الأمني الإسرائيلي الفج. إنها وساطة مثالية لمن يريد أن يبدو في حالة حركة من دون أن ينتقل إلى القرار. لذلك فإن الاحتماء بباريس ليس تعبيراً عن قوة الدولة، بل عن عجزها البنيوي، وعن رغبة المنظومة في تدوير الزوايا لا حل الأزمة.
لكن العالم من حول لبنان لم يعد يتحرك بهذه اللغة. واشنطن تنظر إلى الملف من زاوية تنفيذية أكثر صراحة، وإسرائيل انتقلت عملياً إلى فرض وقائعها بقوة النار، غير آبهة كثيراً بحساسيات الدبلوماسية الفرنسية أو حدودها. ومع تصاعد التوتر بين باريس وتل أبيب، وازدياد الفتور الأميركي تجاه الدور الفرنسي، صار أوضح من أي وقت أن الرهان اللبناني الرسمي على فرنسا ليس رهاناً على قوة حقيقية، بل على هامش تأجيل: أي على قدرة باريس على إبطاء لحظة المواجهة مع الأسئلة التي ترفض السلطة طرحها على نفسها.
من هنا تصبح الصورة أشد وضوحاً: الأوليغارشية اللبنانية لا تتمسك بفرنسا حباً بفرنسا، بل تمسكاً بالصيغة. والصيغة هنا ليست “التعايش” بالمعنى النبيل، بل نظام توزيع مصالح مقونن بالفوضى. نظام يحتاج إلى دولة بالحد الأدنى الذي يمنع الانهيار الكامل، لكنه لا يريد دولة بالمعنى الكامل الذي يفرض احتكار السيادة والمحاسبة. ولذلك لا يرى في السلاح غير الشرعي خطراً مطلقاً، بل خطراً مضبوطاً وقابلاً للتوظيف، ما دام يمنع نشوء دولة قادرة على إعادة تعريف قواعد اللعبة.
ولهذا أيضاً، تريد المنظومة جيشاً يُشاد به، لا مرجعيةً تُسلَّم لها الدولة فعلاً. تريد مؤسسة عسكرية تُستحضر في الخطب وتُرفع في البيانات وتُستعمل رمزاً للوحدة، لكنها لا تريد أن يترتب على ذلك تسليمها الاحتكار الكامل للسلاح والقرار. تريد جيشاً يحفظ الشكل، لا دولةً تُبنى على أساسه. تريد القانون بقدر ما يجمّل المشهد، لا بقدر ما يهدم نظام الامتيازات.
المأساة أن هذه السياسة لم تعد تحمي لبنان، بل صارت تدفعه إلى مزيد من الانكشاف. فكل مرة يُستعاض فيها عن القرار بالوساطة، وعن السيادة بالتفاوض المفتوح، وعن العلاج بالتأجيل، يدفع لبنان الثمن من أمنه واقتصاده وموقعه ومعنى دولته.
هكذا لا يعود البلد رهينة السلاح فقط، بل رهينة السلطة التي وجدت في هذا السلاح ذريعة للبقاء، ووجدت في الخوف الأهلي وسيلةً لتجريم أي طرح سيادي حاسم.
لهذا، فإن أصل الأزمة اللبنانية لم يعد خافياً كما كان. ليست المشكلة فقط في حزب الله، على خطورة دوره وقراره وسلاحه. المشكلة أيضاً في طبقة حاكمة بنت نمط بقائها على التكيف مع هذا السلاح، وعلى استخدامه تارةً ذريعة، وتارةً ضمانة، وتارةً سقفاً يمنع قيام الدولة. ومادامت هذه الطبقة ترى في الدولة الحقيقية تهديداً مباشراً لها، فإنها ستواصل تفضيل “حلول” من نوع الوساطات المريحة، والمبادرات المؤجلة، والمخارج الرمادية، حتى لو احترق البلد.
في الخلاصة، ليست المسألة فقط أن فرنسا ضعفت، أو أن مبادراتها فشلت، أو أن أميركا وإسرائيل لم تعودا تصغيان إليها كما في السابق. المسألة الأعمق هي أن السلطة اللبنانية نفسها لا تريد ما تدّعي أنها تريده. هي تريد دولةً تكفي لطلب المساعدات، لا دولةً تحتكر القرار. تريد سيادةً في الخطب، لا سيادةً في البنية. تريد جيشاً يُحتفى به، لا دولةً تُسلَّم له كل أدوات القوة. تريد قانوناً يضبط الصورة، لا قانوناً يقلب موازين النفوذ.
ولذلك، فإن معركة لبنان ليست فقط ضد السلاح الخارج عن الدولة، بل ضد النظام الذي وجد في هذا السلاح شرطاً لبقائه، ووجد في كل وساطة ناعمة وسيلةً لتأجيل يوم الحقيقة. وعندما تصل الأمور إلى هذه النقطة، يصبح السؤال الحقيقي ليس: لماذا فشلت فرنسا؟ بل: من داخل السلطة اللبنانية مَن كان يريد أصلاً أن تنجح؟