أنطونيو رزق

مجلس الأمن... شلل دائم في عالم القوّة

3 دقائق للقراءة
يجب إعادة النظر في جدوى استمرار الأمم المتحدة بشكلها الحالي (رويترز)

فشل مجلس الأمن في التصدّي لتهديد رئيسي للسلم والأمن الدوليين مرّة جديدة الثلثاء، إثر استعمال الصين وروسيا "الفيتو" لإسقاط مشروع القرار البحريني المدعوم من دول خليجية والأردن في شأن تأمين الملاحة في مضيق هرمز. رغم أن التحرّك الصيني - الروسي كان متوقعًا، أعادت الخطوة طرح سؤال جوهري يُطرح في كلّ مرّة تفشل الأمم المتحدة في القيام بالمهمات التي أُنشئت من أجلها، وهو ما جدوى استمرار هذه المؤسّسة بالشكل الحالي، خصوصًا في ظلّ غياب أي تأثير عملي لها على الحروب والنزاعات المتنقلة التي يشهدها العالم؟

نتجت الأمم المتحدة بشكل أساسي من أيديولوجيا أميركية ليبرالية تقضي باستبدال النظام الدولي القائم على القوّة المجرّدة من أي ضوابط أخلاقية أو قانونية، بنظام دولي جديد يرتكز على القوانين الدولية واحترام سيادة الدول، على أن تتولّى مؤسّسة دولية التصدّي لأي تهديد للسلم والأمن الدوليين عندما تفشل الدول في فعل ذلك سلميًا. نظريًا، كان من المتوقع أن يلعب مجلس الأمن تحديدًا هذا الدور، لذلك أُنيطت به صلاحية التدخل لحلّ نزاع معيّن باستخدام وسائل عدّة، من ضمنها القوّة العسكرية.

ولكن، فرضت طبيعة العلاقات الدولية واقعًا عمليًا عرقل تطبيق النظرية، إذ تتمتع كلّ دولة من الدول الخمس الدائمة العضوية في المجلس بمصالحها الخاصة التي تتعارض في الكثير من الأحيان مع بعضها البعض ومع مصالح الدول الأخرى. لذلك، تستخدم تلك الدول حقها بالنقض من أجل منع مرور قرارات تضرّ بها أو تضرّ بحلفائها، ما يعيق عمل مجلس الأمن في كلّ مرّة يوجد احتمال أن يتناقض قرار ما مع مصالح دولة دائمة العضوية.

من هذا المنطلق، استطاعت أميركا تحقيق تصوّرها لمجلس الأمن إلى حدّ كبير فقط عندما كان ميزان القوّة لمصلحتها بشكل كاسح خلال السنوات التي تلت سقوط الاتحاد السوفياتي. في المقابل، يواجه التصوّر الأميركي لمجلس الأمن عوائق ضخمة حينما تتمتع إحدى الدول الدائمة العضوية المناوئة لها بالقوّة اللازمة لمعارضة مصالحها.

بالفعل، استخدم الاتحاد السوفياتي خلال الحرب الباردة "الفيتو" أكثر من 100 مرّة، بينما استخدمت الصين وروسيا حق النقض بشكل متزايد منذ العام 2010. لذلك، يخطئ مَن يُلقي باللوم على الرئيس ترامب عند الحديث عن تراجع دور مجلس الأمن والقانون الدولي، إذ تشكّل تصريحاته الحادة تجاه الأمم المتحدة، ومحاولته استبدالها بـ "مجلس السلام"، وإطلاقه عمليات عسكرية بمعزل عنها، نتائج لعدم تحقيق تلك المؤسّسة الأهداف التي أنشئت من أجلها، وليست سببًا لفشلها.

المشكلة الحقيقية لا تكمن بالأمم المتحدة كمؤسّسة، إذ ستفشل أي مؤسّسة دولية أخرى في حال أُنيط بها لعب دور "شرطي العالم"، لأن المعضلة الجوهرية تكمن بالطبيعة الواقعية للنظام الدولي القائمة على القوّة، والتي لا يمكن تغييرها، فكلّ دولة ذات سيادة تسعى إلى البقاء بالدرجة الأولى، ما يحتم عليها استغلال أي ظرف يسمح لها بتحقيق مصالحها وزيادة قوّتها، الأمر الذي يجعل الالتزام بالقوانين والمؤسّسات الدولية تفصيلًا، طالما أن ليس هناك دولة قادرة على فرض الالتزام بها على الآخرين.

بناء على ذلك، يجب إعادة النظر في جدوى استمرار الأمم المتحدة بشكلها الحالي، إذ يمكن الحفاظ على فروعها المتعلّقة بالأمور الإنسانية وتطويرها، لكن التمسّك بدورها في حماية السلم والأمن الدوليين أصبح منفصلًا عن الواقع في عالم يزداد تنافسًا بين الدول الثلاث الكبرى، خصوصًا بين أميركا والصين، اللتين تدخلان تدريجيًا في نسخة جديدة من "الحرب الباردة" قد تمتد طوال القرن الحالي.