بشارة جرجس

السلام يخيفهم أكثر من أي حرب

3 دقائق للقراءة

السلام مع إسرائيل هي الجملة الأكثر رعبًا في السياسة اللبنانية. لا لأنها تهدّد لبنان، بل لأنها تهدّد كل من بنى إمبراطوريته على غياب السلام.

راقبتُ هذا البلد لعقود، وسأقول ما لا يجرؤ أحد على قوله من فوق أي منبر: الذين يعارضون السلام لا يحمون لبنان، بل يحمون أنفسهم. حزب الله لا يستطيع أن يوجد بلا "عدو" خلف الباب. إيران لا تستطيع أن تبرّر ممرّها إلى المتوسط بلا جبهة لا تُغلق أبداً. وكل أمير حرب تحوّل إلى رجل دولة، وغسل ماضيه الميليشيوي بحقيبة وزارية، يحتاج إلى عدم الاستقرار الدائم كما يحتاج الطفيلي إلى جسد يتغذّى عليه.

لهذا يفضّلون الموت على السلام. المسيحيون شاهدوا رئاستهم تُفرَّغ حتى صارت ختماً يُصدر من الضاحية. السنّة شاهدوا رفيق الحريري يُغتال، ثم أُجبر ورثته السياسيون على التعايش مع مهندسي اغتياله. الدروز شاهدوا استقلاليتهم تتقلّص إلى مكالمة هاتفية من وصيّ. كل طائفة خارج فلك حزب الله تعيش تحت احتلال غير معلن، مُقنَّع بالوحدة الوطنية. وغياب السلام هو القفل على القفص.

ستون سنة من الرفض لم تحرّر متراً مربعاً واحداً. لم تبنِ محطة كهرباء واحدة. لم تؤمّن مستقبلاً واحداً. دفنت مئتي ألف إنسان. أفلست وطناً. هجّرت جيلاً كاملاً. وسلّمت السيطرة الاستراتيجية الكاملة لميليشيا تأتمر بطهران وتسمّي ذلك سيادة.

من لا يزال يدافع عن هذا ليس وطنياً. هو إما عميل، أو رهينة اعتادت الأسر حتى ظنّت أن السجّان حارس.

لهذا، السلام ليس مجرد موقف دبلوماسي. هو الفعل الوحيد القادر على إسقاط هندسة الأسر اللبناني بالكامل. في اللحظة التي يسقط فيها مبرّر الحرب، يخسر حزب الله فيتو التعطيل، وتخسر إيران آخر موطئ أيديولوجي لها على المتوسط، ويُجبَر كل فاعل سياسي في بيروت على أن يقف عارياً، مجرّداً من النزاع الذي اختبأ خلفه نصف قرن.

وعندها فقط، يستطيع اللبنانيون أخيراً أن يخوضوا الحوار الذي خُنق منذ الطائف: كيف يبدو هذا البلد حين لا يضع أحد مسدساً على الطاولة؟ ربما فدرالية. ربما تقسيم. ربما نموذج لم يُكتب بعد. لكن هذا الحوار مستحيل ما دام فصيل مسلّح واحد يملك حق نقض دائم على كل طائفة، باسم مقاومة لا تقاوم شيئاً سوى بقاء لبنان على حاله، مكسور، مخطوف ومُغتصب.

خصوم السلام يعرفون هذا تماماً: أن يوم يوقّع لبنان، تموت أسطورتهم. لذلك سيحاربونه بكل أدواتهم، من خلال: الذنب الديني، العار القومي، الخوف الطائفي. لأن السلام لا يُنهي نزاعاً مع إسرائيل فحسب، بل يبدأ المحاسبة. وهم يفضّلون دفن جيل آخر على مواجهة تلك المحاسبة.

كفى. غياب السلام كلّف لبنان كل شيء إلا نبضه الأخير. والرجال الذين تسبّبوا بذلك يطلبون مزيداً من الوقت. أخذوا قرناً. الجواب: لا.