جاد الاخوي

ذرّ الرماد في العيون: بين تضليل الدستور ووصاية الخارج على قرار لبنان

5 دقائق للقراءة

ما صدر عن النائب حسن فضل الله، وما تلاه من موقف مستشار المرشد الإيراني علي أكبر ولايتي، لا يمكن التعامل معه كتصريحين عابرين في زحمة السجال السياسي. نحن أمام خطاب مزدوج الأهداف: في الداخل محاولة واضحة لتطويق القرار اللبناني وشيطنته تحت عنوان “الدستور”، وفي الخارج محاولة مكشوفة لفرض وصاية سياسية على الحكومة اللبنانية. بين الاثنين، تتكشّف معركة حقيقية على هوية القرار السيادي: هل يبقى لبنان دولة تُدير مصالحها، أم ساحة تُدار من خارجها؟

 

أولاً: في مسألة “خرق الدستور” تضليل مقصود

القول إن التفاوض مع إسرائيل يشكّل خرقاً للدستور اللبناني ليس فقط خاطئاً، بل هو تضليل سياسي فاضح. الدستور اللبناني، بكل مواده، لا يتضمن نصاً واحداً يمنع التفاوض مع دولة عدوة. بل على العكس، يحدّد بوضوح أن إدارة السياسة الخارجية تقع ضمن صلاحيات السلطة التنفيذية، أي مجلس الوزراء مجتمعاً، بالتنسيق مع رئيس الجمهورية. أي أن القرار في هذا الشأن هو قرار سيادي مؤسساتي، وليس حكراً على جهة أو حزب أو محور.

التفاوض، في المفهوم السياسي والقانوني، لا يعني التطبيع ولا الاعتراف ولا التنازل. هو أداة تستخدمها الدول، حتى في حالات العداء والحروب، لحماية مصالحها أو استعادة حقوقها أو منع الانزلاق إلى مواجهات مدمّرة. التاريخ الحديث مليء بأمثلة لدول تفاوضت مع اعدائها  دون أن يعني ذلك خضوعاً أو تنازلاً. بل إن كثيراً من الانتصارات السياسية والاقتصادية تحققت عبر التفاوض، لا عبر الشعارات.

لكن الأخطر في كلام النائب فضل الله أنه يحاول إلباس موقف سياسي لبوساً دستورياً. وهنا تحديداً تكمن المشكلة. هذا ليس تفسيراً قانونياً بريئاً، بل هو ذرّ للرماد في العيون، هدفه تضليل الرأي العام وإعطاء انطباع بأن هناك “مخالفة كبرى” تُرتكب، فيما الحقيقة عكس ذلك تماماً. فحين تُستخدم النصوص الدستورية كأداة تعبئة سياسية، تتحول من مرجعية قانونية إلى وسيلة ضغط وتخويف.

ومن هنا، يصبح من المشروع بل من الواجب القول: على النائب حسن فضل الله، بصفته نائباً في البرلمان، أن يكون مطلعاً وعارفاً بالدستور الذي يُفترض أنه يقسم على احترامه. لكن المؤسف أن هذا الاطلاع يبدو غائباً في هذا السياق، أو يجري تجاهله عمداً لخدمة خطاب سياسي محدد، وتبعية واضحة لدولة خارجية. وفي الحالتين، النتيجة واحدة: تشويه الوعي الدستوري لدى اللبنانيين، وضرب فكرة الدولة من أساسها.

ثم إن المفارقة الصارخة تكمن في أن القوى نفسها التي تهاجم اليوم فكرة التفاوض، لم تجد حرجاً في القبول أو حتى الرعاية غير المباشرة لمسارات تفاوضية سابقة، كما حصل في ملف ترسيم الحدود البحرية. يومها، لم يُطرح الدستور كعائق، ولم تُرفع شعارات “الخرق” و”المخالفة”، لأن النتائج كانت تخدم توجهاً معيناً. أما اليوم، فحين يصبح التفاوض خارج هذا الإطار، يتحول فجأة إلى “جريمة دستورية”.

هذا الكيل بمكيالين لا يمكن أن يمرّ دون مساءلة. فالدستور لا يُفسَّر وفق المزاج السياسي، ولا يُستخدم كأداة انتقائية. إما أن يكون مرجعاً ثابتاً يُحتكم إليه في كل الحالات، أو أن يتحول إلى مجرد شعار يُرفع عند الحاجة.

ثانياً: التدخل الإيراني وصاية مرفوضة

إذا كان ما صدر عن النائب فضل الله يندرج في إطار السجال الداخلي، فإن موقف علي أكبر ولايتي يتجاوز ذلك بكثير. نحن هنا أمام تدخل مباشر وصريح في الشؤون اللبنانية. حين يخرج مسؤول إيراني ليوجّه رسالة إلى الحكومة اللبنانية، محدداً لها ما يجب أن تفعله وما يجب أن تمتنع عنه، فنحن أمام مشهد لا يحتمل التأويل: محاولة فرض وصاية سياسية على دولة ذات سيادة.

هذا النوع من التصريحات لا يمكن تبريره تحت أي عنوان، لا دعم ولا نصيحة ولا تضامن. هو تدخل سافر، يمسّ بكرامة الدولة اللبنانية قبل أن يمسّ بقرارها السياسي. فلبنان، مهما كانت أزماته وتعقيداته، ليس تابعاً لأي محور، ولا ينبغي أن يكون.

الأخطر من ذلك أن هذا التدخل يأتي في لحظة حساسة، حيث يُفترض أن يكون القرار اللبناني خاضعاً لحسابات وطنية بحتة، لا لإملاءات خارجية. وكأن المطلوب أن يُمنع لبنان حتى من التفكير بخياراته، إذا لم تكن متطابقة مع مصالح قوى إقليمية.

الرد على هذا التدخل يجب أن يكون واضحاً لا لبس فيه: القرار اللبناني يُصنع في بيروت، وليس في طهران أو غيرها. والحكومة اللبنانية، أيّاً كان موقفنا منها، ليست هيئة تنفيذية لسياسات دول أخرى. إن قبول هذا النوع من الإملاءات، أو حتى تجاهله، يعني عملياً التسليم بتحويل لبنان إلى ساحة مفتوحة للصراعات، لا دولة ذات سيادة.

ثالثاً: معركة القرار السيادي

ما يجمع بين التصريحين، الداخلي والخارجي، هو هدف واحد: منع الدولة اللبنانية من ممارسة دورها الطبيعي. في الداخل، عبر تخوين أي خيار لا يمر عبر قنوات محددة، وفي الخارج، عبر رسم خطوط حمراء لما يمكن للبنان أن يقوم به.

وهنا يكمن جوهر الأزمة. فلبنان منذ سنوات يعيش صراعاً بين من يريد دولة تحتكر قرار الحرب والسلم، ومن يريد إبقاء هذا القرار موزعاً خارج مؤسساتها. التفاوض، في هذا السياق، ليس مجرد خيار تقني، بل اختبار حقيقي لمدى قدرة الدولة على استعادة دورها.

في الختام، ما قيل عن “خرق الدستور” لا يصمد أمام أي قراءة جدية للنصوص، بل يندرج في إطار التضليل السياسي ومحاولة ذرّ الرماد في العيون. وما صدر من طهران هو تدخل مرفوض جملة وتفصيلاً، لا يمكن القبول به تحت أي ذريعة.

الرد يجب أن يكون حاسماً:

التفاوض، حين تقرره الدولة اللبنانية، هو حق سيادي مشروع، لا يحتاج إلى إذن من أحد، ولا يُعد خرقاً لأي نص دستوري.

وأي محاولة خارجية لفرض إملاءات على هذا القرار هي اعتداء على سيادة لبنان، يجب رفضه بلا تردد.

لبنان ليس ساحة لتصفية الحسابات، ولا ورقة تفاوض بيد الآخرين. هو دولة، أو يجب أن يكون. وبين الدولة واللادولة، لا يمكن الوقوف في المنطقة الرمادية بعد اليوم.