قبل أيام من حرب الإلغاء علم العميد المتقاعد وهبة قاطيشه أن العماد ميشال عون قرّر اعتقاله فانتقل إلى قبرص. ولكنه عاد بعد بدء هذه الحرب ليجمع الضباط والعسكريين الذين تركوا قيادة عون في ثكنة صربا. في 13 تشرين 1990 وبتكليف من قيادة العماد إميل لحود لعب قاطيشه دورًا في استيعاب العسكريين المؤيّدين لعون خصوصًا على جبهة المتن، ثم كُلِّف مسؤولية انتشار الجيش في الأشرفية، ولكنه اختلف مع لحود الذي أبعده عن المسؤوليات العملانية بطلب من النظام السوري. قاطيشه بعد التقاعد التقى الدكتور سمير جعجع وتولى مسؤوليات في "القوات اللبنانية" قبل أن يصير نائبًا. هذه المحطات يرويها قاطيشه في هذا الحوار مع "نداء السنين" في "نداء الوطن" والـ "أم تي في".
بعد تشكيلك إلى المدرسة الحربية، بقيت من دون مسؤولية عسكرية؟
نعم. بالبيت حتى نهاية حرب التحرير. بعد الطائف دخلت لعند اللواء أبو جمرا. قلت له: هلق شو بدكم تعملوا؟ قال: يا خيي خسرنا حرب شو نحن أول ناس بتخسر حرب؟ قلت له: صح بس شو بدكم تعملوا؟ قال: مبارح كان صاحبك عم يضبّ الشنط وبدّنا نروح ع فرنسا. قلت: منيح. خلصنا وانتخبوا رينيه معوّض رئيس. تاني يوم ولعت بالقصر الجمهوري، لا للطائف ورينيه معوّض عميل سوري. دخلت لعند اللواء أبو جمرا سألته: شو القصة؟ قلت مبارح بدّكم تروحوا. قال لي بصوت منخفض: السوريون بعتوا خبر للجنرال عون إنهم مش ماشيين بالطائف. شيل الجماعة وأنت الرئيس. قلت له: شيل الجماعة وأنت الرئيس؟ قال: والله هيك قالوا له. قلت له: يا سيدنا هلّق وصلنا لساعة الحسم. إنتو ما فيكم على "القوات". قال: ليش ما فينا؟ عنا سلاح وذخيرة. قلت له: عندهم سلاح وذخيرة قدّكم. سمير جعجع بلا سلاح وذخيرة أقوى منكم. إذا شلّحتوه كل الآلة العسكرية وبقي معه 40-50 واحد وقعد بميفوق مثلًا بيرتدّ عليكم وبيشلّحكم الأرض ويمكن يعيدا. حرام عليكم إدخال المناطق الشرقية بمثل هذه الحرب. قال: أنا ما دخّلني. هيك قالوا له.
وصلنا إلى "حرب الإلغاء". أين كنت؟ في قبرص؟ حاول الجنرال عون اعتقالك؟
كنّا ضدّه أنا وعدد من الضبّاط. أوقفوا 3-4 ضباط. كان لي صديق في المخابرات أتى لعندي وقال لي: اليوم جايين عليك. قلت بدّو يحطّني بالحبس.
متى حصل ذلك؟
في 6 كانون الثاني 1990 قبل حرب الإلغاء بـ 25 يومًا. قلت: قاتلت كل عمري عالجبهات من الجنوب وضدّ إسرائيل لسوق الغرب بالآخر يحبسني ميشال عون؟ رحت على قبرص على أساس أن أغادر لاحقًا إلى أميركا أو البرازيل. وإذ علقت "حرب الإلغاء". رجعت. عائلتي كانت في مار تقلا في الحازمية. زوجة أبو جمرا قالت لزوجتي: منيح اللي راح جوزك هودي كلّهم مجانين. أبو جمرا لم يكن مقتنعًا لا بـ "حرب التحرير" ولا بـ "حرب الإلغاء". بس ما كان طالع بإيدو شي. رجعت قعدت بحالات وجبت عيلتي.
التحقت بجيش العماد إميل لحود؟
لا. كان في المنطقة الغربية ولا إمكانية لانتقالي إلى هناك. صار العسكريون الذين يفرّون من الخدمة مع العماد ميشال عون يأتون إلى ثكنة صربا في كسروان. كلّفني العماد لحود أنا والعميد إيلي حايك بتشكيل قيادة تجمع هؤلاء العسكريين. جمعناهم في صربا من دون سلاح أو ذخيرة. وهكذا أمضينا حرب الإلغاء متصلين بالعماد لحود حتى 13 تشرين. في 13 تشرين اتصل بي العماد لحود وقال لي: وهبة السوريين فاتوا عالمنطقة وأنا لا أعرف الحدود اللي رح يوصلوا لها وأضاف إذا توجهوا نحو كسروان بيصير الجيش الموجود بالقليعات وعلى محور بسكنتا محاصرًا. بتطلع لأنك عايش معهم وبيعرفوك وبتتواصل مع الضباط وإذا صار شي بتجيبهم على ثكنة صربا. طلعت. كان معي ضباط جوزاف حبشي، ريشارد داغر، الياس صليبا. قطعت جبهة القليعات. كان عسكري بـ "القوات" يحكي مع أخيه في الجيش ولم يكن يردّ عليه. سألته: شو عم تعمل هون؟ قال: جايي شوف خيّي؟ قلت له: مين هو خيَّك؟ قال: هيدا. بعاد عن بعض نحو 5 أمتار. سألت العسكري في الجيش: هيدا خيّك؟ قال: نعم. قلت له ليش ما عم تردّ عليه؟ قال: خلّيه يروح يشلح هالبدلة ساعتها بحكيه. سألت العسكري: وين مركزك؟ قال: هنا. كان عم يعمل قهوة. سألت القواتي: وين مركزك؟ دلّني على بناية بعيدة نحو 70 مترًا. سألته: كنت بتعرف أنو خيّك هون؟ قال: شو بيعرّفني أي متى بيروح أي متى بيجي. بعرف أنّو في هذه الكتيبة.
كانوا علموا أن الجنرال صار في السفارة الفرنسية؟
ما كانوا عارفين. كانت الساعة نحو الحادية عشرة تقريبًا. لقيت صعوبة مع الضابط في جبهة القليعات. ولكن في النهاية بدّو يجي. الضابط على جبهة بسكنتا كان فرنسوا الحاج قال لي: أنا جاهز ما عندي مشكل مع حدا بحارب السوريين للآخر بس بروح معك.
أين التحقت بعد 13 تشرين؟ كيف حصل دخول الجيش إلى مناطق "القوات" بدءًا من بيروت الكبرى؟
عملنا الكتيبة 57 من الجنود والضباط الذين التحقوا بثكنة صربا في كسروان وكان المطلوب أن تستلم الأمن في الأشرفية. طلب مني العماد لحود استلام اللواء التاسع للقيام بهذه المهمة. وافقت. سألني: كم تحتاج من الوقت لتفوت عالأشرفية؟ قلت له: ساعة. قال: كيف قالوا لي اللواء بدّو جمعة. قلت له: يمكن جمعة لينتقل كله. أوّل سرية بدّها ساعتين. وجدت صعوبة لدى الضباط ليفوتوا معي عالأشرفية. خايفين من "القوات". واحد سقت الجيب فيه حتى فتنا. عملنا الأمن مدّة شهرين أخدنا بعدها اللواء إلى التدريب.
كان عندك صعوبة بالعودة إلى الجيش تحت قيادة العماد لحود؟
لا بالعكس. كلّهم بيعرفوني وبدّك تعرف كيف تمسك العسكر. مشينا من نهر الكلب للحازمية أنا على راس العسكر. مشينا من الناعمة للثكنة وأنا على راس العسكر. ساعتها ما بيعود يقول العسكري شي.
كان عندك دور بفتح طريق نهر الكلب؟
لا.
أي متى تقاعدت؟
سنة 1999. ولكن حصلت أيضًا مشاكل مع العماد لحود.
تعرضت للملاحقة؟
العماد لحود كان صديقنا قبل أن يعمل قائدًا للجيش. كان يقول لنا: لمّا أعمل قايد جيش أول مرسوم قانون سأرسله إلى مجلس النواب سينصّ على أن تحدّد مدّة خدمة قائد الجيش بثلاث سنوات أو أربع بعدها عالبيت مين ما كان يكون، وذلك ردًّا على ما حصل مع العماد عون. عمل قائد جيش بدل 3 سنين قعد تسعة. طلب مني تحضير اللواء التاسع للمشاركة في عملية شرق صيدا عام 1991 ضدّ المسلحين الفلسطينيين خارج مخيمي عين الحلوة والمية ومية. حضّرت اللواء. بعد يومين قال لي: بدّك تترك اللواء. بدّي سلّمو لحدا غيرك. سألتو: ليش؟ قال: أهل صيدا عرفوا أنك أنت رايح وأنت قوات. قلت له: هلّق صاروا أهل صيدا بيعيّنوا قادة الألوية في الجيش؟ حصل تصادم بالكلام. رحت على كليّة الأركان وبقيت خمسة أعوام. التعليم كان مجالي أيضًا. مرّة أرسل ورائي وقال لي: بدّي سلّمك كلية الأركان. بعد شهر أصدر مذكرة شكّلني من الكلية وعيّن ضابطًا آخر أدنى رتبة مني وعيّنني مساعد قائد منطقة بينما كان الضباط الأدنى رتبة مني قادة مناطق.
فهمت الرسالة؟
طبعًا. بعد شهر زرته. سألته: على أساس بدّي أعمل قائد كلية؟ قال لي: يا وهبة في 12 ضابط بالمخارات السورية موجودين بلبنان بدّهم يتابعوا دورة عندنا مع ضباط الأركان. قلت له: ولو كان. إذا أنا قايد الكلية ما عندي مشكل معهم. قال: أنت ما عندك مشكلة معهم بسّ هم عندهم مشكلة معك. قلت له: يعني السوريين بيعيّنوا قائد الكلية؟ ولكن بقيت أعطي محاضرات محدّدة في الكلية. عندما أدخل إلى القاعة كان الضباط السوريون الـ 12 يخرجون. عندما وضعوا تسهيلات مالية للإستقالة استقلت. طلعت.
طلعت وكان الدكتور جعجع في الاعتقال. حصلت لقاءات معه قبل هذه المرحلة؟
التقينا مرتين أو ثلاثًا على عشاء عند أصدقاء مشتركين.
لم تبحث معه في أي تنسيق سياسي بعد التقاعد؟
لا.
متى بدأ العمل في هذا الاتجاه؟
أنا أعرف الدكتور جعجع. كان صاحب قضية لا يساوم عليها. عندما كان معتقلًا كنت ألتقي أحيانًا زوجته ستريدا. كانت تقول لي ما تجي بيضايقوك. قلت لها. صرت عميد وما بيسلّموني شي. وفيهم يبعدوني. عندما خرج من الاعتقال سلّمت عليه في الأرز. ثم طلب مني أن أكون مسؤولًا عن منطقة عكار في "القوات". قلت له: بستلم. إذا ما ظبطت بروح عالبيت. قال لي: أي بيت عنا شغل كتير. ثم ترشحت إلى الانتخابات عام 2009. لم نتفق مع تيار المستقبل الذي كان يريد ترشيح كل نوّاب عكار. عملت أمين عام "القوات" مدة سنتين ثم مستشارًا للدكتور جعجع. سنة 2018 ترشّحت وصرت نائبًا.
كيف كانت تجربتك النيابية؟
تجربتنا لم تكن جيّدة على مستوى البلد ككل. بعد الانتخابات حصلت ثورة 17 تشرين. لم نتعرّف على عمل المجلس. تعطّل. ثم حصل الانفجار في المرفأ وأصيب المجلس بأضرار صرنا نجتمع في الأونيسكو ثم أتت جائحة كورونا. كانت معاناة.
كلها حصلت في عهد ميشال عون
ما فيك تعرف الإنسان إلا إذا سلّمتو السلطة. بتعرف جوهرو. أعرفه من الثمانينات ولكن عندما استلم السلطة ظهرت حقيقته لكل العالم.
تكتب مذكراتك؟
نعم ولكن غير قابلة للنشر. أتركها لأولادي.
لقراءة الجزء الأوّل من الحوار
لقراءة الجزء الثاني من الحوار
لقراءة الجزء الثالث من الحوار