جولة على سجالات الأسبوع السياسيّة في مواقع التواصل الاجتماعيّ شملت العناوين التالية: "مع الرئيس ضدّ حملات مسيئة وكاريكاتور مهين"، "صليب دبل: كرة ثلج رقمية ونتنياهو يتدخل"،""الميغاسنتر" أمام غضب النزوح المتكرّر".
مع الرئيس ضدّ حملات مسيئة وكاريكاتور مهين
ما إن هدأت جبهة الجنوب مع سريان وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل، حتى انفجرت جبهة داخلية رقميّة في وجه رئيس الجمهورية جوزاف عون، ردًّا على انطلاق "المفاوضات المباشرة" بين لبنان وإسرائيل. ولم يشفع موقف الرئيس عون الرافض التواصل مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في تحييده عن موجة التصعيد.
حملة شتم وإساءة واسعة انطلقت ضدّه على مواقع التواصل الاجتماعي، قادتها حسابات محسوبة على جمهور "حزب اللّه" واستخدمت فيها لغة حادّة ومفردات جارحة، لم تغِب عنها تهمة التخوين الجاهزة التي تُستحضر عند كلّ منعطف سياسي. لكن أمام هذه الحملة التي اعتُبرت مشينة، قاد مناهضو "الحزب" حملة مقابلة تحت شعارات "معك فخامة الرئيس"، و "الدولة وحدها تفاوض"، فيما انتشر وسْم "#لبنان_يفاوض". كما أعاد كثر التداول بخطاب الرئيس عقب وقف إطلاق النار، والذي شدّد فيه على أن "لبنان اليوم يقرّر مصيره بنفسه، بلا وصاية، ولا سلاح خارج الدولة، ولا حروب بالوكالة"، في موقف اعتبره مؤيِّدوه تعبيرًا مباشرًا عن لحظة سياسية مفصليّة في مسار البلاد.
وعبّر داعمو الرئيس أيضًا في حساباتهم عن استيائهم وامتعاضهم من صُوَر انتشرت على مواقع التواصل أظهرت جدران طريق المطار وقد امتلأت بكتابات تخوين بحق رئيس الجمهورية. كما فجّر كاريكاتور على "إكس" وُصف بالمُهين والمستفزّ، نشرته "وكالة تسنيم" الإيرانيّة ويعود إلى رسّام يمني، موجة غضب واسعة لدى هؤلاء، واللافت أن اللبنانيّين المندّدين بالكاريكاتور تجنّبوا إعادة التداول بالصورة، في محاولة لتفادي ترويج الإساءة، وركّزوا هجومهم بشكل واسع على الرسّام ومضمون العمل.
وفي ذروة تصعيد "حزب اللّه" على الرئيس عون، اخترق اسم الرئيس المصري الراحل أنور السادات الفضاء الافتراضي بعد أن أطلق القياديّ في "الحزب" نواف الموسوي تحذيرًا بالغ الخطورة للرئيس عون، مستحضرًا مصير السادات الذي وقّع اتفاق السلام مع إسرائيل، قبل أن يجري اغتياله عام 1981 على أيدي متشدّدين عارضوا هذا المسار. وبدوره استدعى كلام الموسوي ردودًا عالية السقف ضده وصلت حدّ المطالبة باعتقاله سريعًا.

صليب دبل: كرة ثلج رقميّة ونتنياهو يتدخّل
بدأت الحكاية مساء الأحد الماضي، بصورة مسرّبة من كواليس الميدان في بلدة دبل الجنوبية، يظهر فيها جنديّ إسرائيليّ بزيّ عسكريّ في وضعيّة اعتداء على تمثال للمصلوب بعد إسقاطه أرضًا. ومع الانتشار السريع للصورة، تحوّلت إلى "كرة ثلج رقميّة" عبرت المنصّات، لتصل إلى القيادات الإسرائيلية العليا.
في البداية، استدعت الصورة اختبارًا دقيقًا لمدى القدرة على التمييز بين حقيقة ماديّة موثقة وبين تزييف خوارزمي قادر على محاكاة الواقع، فانقسم الفضاء الرقميّ اللبنانيّ بحدّة في تحليلها تقنيًّا، حيث برزت حسابات متفرّقة على مواقع التواصل شكّكت بصحّتها، مستندة إلى ما اعتبرته "تشوّهات بصريّة" لا سيّما في أطراف المصلوب ويد الجندي. في المقابل، اتجه بعض الناشطين إلى مقاربة ميدانية وجغرافية للصورة، من معالم المزار إلى تضاريس بلدة دبل ورصف الحجارة، ليخلصوا إلى تطابقها بدقة مع الواقع، الأمر الذي يعجز عنه الذكاء الاصطناعي حتى الآن، بحسب روايتهم، بالإضافة إلى تأكيدهم صحّة الظلال، ما أسقط عمليًّا، في نظرهم، فرضيّة الفبركة.
وبينما بلغ الجدل الافتراضيّ ذروته، جاء الحسم بعد ساعات قليلة من داخل المؤسّسة العسكريّة الإسرائيليّة نفسها، حيث أنهى الناطق باسم الجيش الإسرائيلي باللغة العربية أفيخاي أدرعي السجال، بإقرار صريح يؤكّد أن الفحص الأولي أثبت أن التوثيق حقيقيّ. ولم يقتصر البيان على الاعتراف، بل تضمّن إعلان فتح تحقيق جنائي والتعهّد بالمساعدة في إعادة التمثال إلى مكانه، في محاولة لاحتواء تداعيات الواقعة.
وسريعًا ارتقى التنديد بالحادثة إلى المستوى السياسي الأعلى في إسرائيل، ورجّحه كثر إلى الإحراج بسبب قوّة ضغط الانتقادات في لبنان. فدان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، يوم الإثنين، الفعل بأشدّ العبارات، متعهّدًا بإجراءات انضباطية صارمة بحق الجندي. غير أن الإدانة رافقها أيضًا احتواء للغضب، إذ شدّد نتنياهو في بيانه على أن إسرائيل تمثل "واحة" لِحريّة العبادة، في مسعى واضح لترميم صورتها أمام الرأي العام الكنسيّ والدبلوماسيّ. وقبل نتنياهو، أصدر وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر بيان إدانة واعتذار للمسيحيين.
في المقابل، جرى استثمار الحادثة سياسيًّا وبكثافة من قبل الماكينة الإعلاميّة لـ "حزب اللّه" وحلفائه، حيث تعاملوا مع الصورة كمعطى محسوم، واستخدموها لتعزيز سرديّة "العدوّ الذي ينتهك المقدّسات الدينيّة".
أمّا على مستوى التفاعل المجتمعيّ فبرزت مفارقة لافتة، حيث إن شريحة من المسيحيين لم تدخل في سجال تقنيّ حول صدقية الصورة، بل تلقتها بوصفها واقعة قائمة، وجاءت تعليقاتهم أقرب إلى استحضار البُعد الروحيّ، مردّدين عبارة منسوبة للمسيح على الصليب: "اغفر لهم يا أبتاه لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون". إلّا أن هذا الخطاب التصالحيّ أثار بدوره ردود فعل معاكسة لدى ناشطين في "الحزب" اعتبروا أن المقاربة المتسامحة لا تتناسب مع جسامة الفعل، وطالبوا بموقف أكثر حدّة وإدانة من قِبل المسيحيين.
هكذا، تحوّلت "صورة صليب دبل" إلى سجال تداخلت فيه الأبعاد التقنية والإعلامية والسياسية والرمزية، وترك خلفه أسئلة مفتوحة عن هشاشة الثقة في الصورة، وعن واقع باتت فيه الحقيقة نفسها بحاجة إلى إثبات قبل أن تُصدَّق.

"الميغاسنتر" أمام غضب النزوح المتكرّر
لم تكن عودة النازحين إلى قراهم، عقب سريان اتفاق "وقف إطلاق النار" بين إسرائيل و "حزب اللّه"، العنوان الوحيد للمشهد، بل رافقها انفجار ملحوظ في النقمة على الحرب، بعدما واجه الأهالي حجم الكارثة والدمار الذي كان بانتظارهم عند الوصول. وارتفع منسوب الغضب الشعبي، مع صدور دعوات جديدة تطلب من السكّان مغادرة قراهم مجدّدًا والعودة إلى مراكز الإيواء خشية تجدّد المواجهات، فتعمّق لدى كثيرين الشعور بالاقتلاع المتكرّر وانعدام الاستقرار.
وسرعان ما اجتاحت مواقع التواصل مقاطع مصوّرة لنازحين غاضبين من القرار، لاقت تفاعلًا واسعًا لا سيّما من لبنانيين مناهضين لـ "الحزب"، أبدوا في تعليقاتهم تعاطفًا كبيرًا مع أبناء بلدهم. كما تداولوا مقاطع مصوّرة لنازحين والدمعة في عيونهم عند المغادرة من جديد.
كذلك، هزّ وجدان كثيرين تسجيل صوتيّ لا يتجاوز أربع دقائق انتشر على نطاق واسع على مواقع التواصل، وفيه يوجّه مواطن شيعيّ كلامه إلى ابنة أخته بنبرة غضب مرير، معبِّرًا عن سخطه من تكرار الحروب والدمار والخسارات البشريّة التي عاشتها أجيال متلاحقة في بيئته وما زالت تدفع أثمانها حتى اليوم. ويستحضر المتحدث "انتصار عام 2000" بوصفه لحظة كان يُفترض أن تشكّل نقطة نهايةٍ لمسار المواجهات مع إسرائيل، لا استمرارًا لها.
كذلك، برزت كثافة الردود الغاضبة على أحد المواقع المتعاطفة مع "الحزب" بعدما نُشرت العبارة التالية: "العدوّ خرق الهدنة أكثر من مرة... الردّ آتٍ لا محالة"، حيث انهالت عليها تعليقات مندّدة عكست مستوى غير مسبوق من الاحتقان الشعبي ومن الاعتراض على كلفة المواجهة وتداعياتها المباشرة على حياة الناس. ومن بين هذه التعليقات: "حضرتك بتعرف أنو العالم رجعت من النزوح ما معها ولا ألف ليرة؟ ولّا بس بدنا نكبّ حكي على فايسبوك وأنو يابا نحنا أصحاب القضية"، وأيضًا: "يعني منفهم أنو لازم نبقى جاهزين بس بدها إيران تفتح الحرب حتى نفتحها عنا".
وإذ توقفت حسابات كثيرة مناهضة لـ "الحزب" أمام مضمون هذه المشهدية إلّا أن بعضهم أبدى تشكيكًا في دلالاتها السياسية، معتبرين أن هذا الغضب آنيّ وقد لا ينعكس بالضرورة تغييرًا في الخيارات الانتخابية النيابية أي أن هؤلاء الغاضبين قد يعيدون الاقتراع "للحزب" في الاستحقاقات المقبلة. وعند هذه النقطة، برز طرح اعتبره البعض الحلّ الوحيد: "من دون "الميغاسنتر" لن يصوّتوا بغير ذلك"، في إشارة إلى ما يرافق الانتخابات من ضغوطات تؤثر على حرية القرار الفعلي للناخبين في تلك المناطق.
لكن في مقابل هذا النبض الغاضب لدى عددٍ كبير من النازحين، انتشرت بالتوازي، وكما جرت العادة، صُوَر ومقاطع مصوّرة لمواطنين يقفون أمام منازلهم المدمّرة، يعلنون فيها أن ما جرى "فدا المقاومة"، في تباين حادّ للمواقف داخل البيئة نفسها.
