المحامي إيلي شربشي

هوية تُقاوم الإبادة...

دقيقتان للقراءة

قضية واحدة، مسيرة واحدة، انسان واحد، ثلاثية تختصر تاريخ شعب بأكمله "لبنانيّ، سريانيّ، مسيحيّ، هوية لا تتجزأ وذاكرة لا تُمحى.

نعم، الذكرى مؤلمة، لكنها مسؤولية، مسؤولية الحفاظ على ذاكرة اجدادنا وتثبيت حق شعب نُكّل به في الحياة، كي نرسم مسارنا الى المستقبل بثقة وإيمان. فالمجازر ليست حدثاً عابراً من الماضي، بل ذاكرة حيّة نحملها لنمنع تكرارها. لأن في نسيانها خيانة، وفي طمسها تمهيد لمجزرة جديدة. إن ما تعرّض له شعبنا الأرمني والسرياني الآشوري الكلداني ما بين اعوام (1880- 1915)، لم يكن مجرد "أحداث" أو "مآسٍ" متفرقة، بل جريمة إبادة جماعية مكتملة الاركان بكل عناصرها المعنوية والقانونية وغير الإنسانية، هدفت الى إبادة شعب بأكمله على أساس ديني وعرقي، عبر القتل والتدمير والتهجير القسري.

غير ان الخطر الأكبر لا يكمن في الجريمة وحدها، بل في إنكارها. فالإنكار المستمر لها، يُعتبر امتداداً للجريمة، لأنه يطمس الحقيقة، ويعطّل العدالة، ويفتح الباب أمام تكرار الإبادة. ولقد سمح صمت العالم، وتنكره لما تعرض له أجدادنا من قتل وتنكيل، سمح للمجرمين أن يكرروا جرائمهم… وما زالوا يفعلون.

أما لبنان، فلم يكن مجرد ملجأً للناجين، بل فيه وُلدت قصة صمود جديدة، حيث تحوّل الناجون إلى مؤسسين، وأصبح الوجود المسيحي المشرقي جزءاً لا يتجزأ من الكيان اللبناني، في هويته وتكوينه ودستوره. وهنا تبرز إرادة الصمود التي حملها أجدادنا من أورفا وأرارات وماردين إلى لبنان، خياراً نهائياً للعيش بحرية.

واليوم، نحن أمام التحدي ذاته: إما أن نكون شهوداً للسيادة والحرية، أو أن نتحول إلى ضحايا جدد في مسلسل الإلغاء.

صدقاً، إن إحياء الذكرى ليس فعلاً رمزياً، بل هو موقف قانوني وأخلاقي وسياسي. هو تأكيد على أن الجرائم لا تُنسى، وأن الحقوق لا تسقط، وان العدالة وإن تأخرت لن تموت. لأن التاريخ أثبت أن الشعوب التي تحفظ ذاكرتها قادرة على حماية مستقبلها، وأن الشعوب التي تنسى، تُعاد مأساتها، والكيانات التي تتخلى عن سيادتها، تفقد وجودها تدريجياً. لذلك، فإن نضالنا اليوم، معركة وعيٍ وذاكرةٍ وسيادة.

في النهاية، لا يمكن بناء دولة من دون سيادة، ولا يمكن حماية شعب من دون عدالة، ولا يمكن ضمان المستقبل من دون ذاكرة، فالذاكرة .... مقاومة.