جنى جبّور

وداعًا لشعار "تركيا أرخص من لبنان"

صيف 2026... جواز السفر للزينة فقط

5 دقائق للقراءة
رحلات معلقة وأحلام مؤجلة

لطالما شكّل السفر للبنانيين، ومع كل إشراقة صيف، طقسًا سنويًا يتخطى حدود الاستجمام ليصبح مرادفًا للتحرر وفعل هروب موقت من ضغوط الداخل المتراكمة. غير أن صيف 2026 يطلُّ بظلالٍ ثقيلة، ليضع المواطن وجهًا لوجه أمام واقعٍ مرير. فخطوة توضيب الحقائب التي كانت تنطلق بكبسة زر يسيرة عبر الهاتف، استبدلت بمعارك حسابية ضارية. وفي ظل حصارٍ ثلاثي الأبعاد يبدأ من وضعٍ اقتصادي استنزف آخر المدخرات، مرورًا بأزمة وقود عالمية قذفت بأسعار التذاكر نحو مستويات خيالية، وصولًا إلى توترات جيوسياسية خنقت الممرات الحيوية للمنطقة، بات جواز السفر يصلح لكل شيء... إلا للسفر.

لسنواتٍ طويلة، ظلّت مقولة: "السفرة لتركيا أو مصر أرخص من نزلة بحر بلبنان" شعارًا يختصر استراتيجية المواطن اللبناني في البحث عن البديل الأوفر، والهروب من نيران أسعار المنتجعات المحلية. اليوم، انكسرت هذه المعادلة تمامًا. لم يعد التحدي يكمن في كلفة الإقامة في الخارج، بل في جسر العبور نفسه. فالمشكلة الحقيقية ليست مجرد عجزنا عن تأمين ثمن التذكرة، بل في السياسة التي قررت إقفال الممرات المائية، إذ أن إغلاق مضيق هرمز لم يكتفِ برفع أسعار النفط، بل حوّل تأمين وقود الطائرات إلى تحدٍ لوجستي ومادي مستمر. هذا النقص الحاد في التوريد العالمي أدى إلى انفجار في الأسعار، مما أجبر شركات الطيران على رمي هذه الأعباء التشغيلية في جيوب المسافرين، وبالدولار "الفريش" طبعًا. ناهيك عن "لفة العروس" الإجبارية التي باتت تفرضها الطائرات فوق القارات لتجنب مناطق التوتر، فتبدلت معها حسابات الوقت والمسافة. فالرحلة التي كانت تقفز من بيروت إلى دبي في ثلاث ساعات، تحتاج اليوم إلى ما يقارب الخمس ساعات، وما يرافق ذلك من استهلاك إضافي للوقود يُدفع ثمنه من أعصاب المسافر وميزانيته. كل هذا يترافق مع تبدّل مستمر في جداول المواعيد، تارةً بسبب نقص الوقود، وطورًا بقرار سياسي عابر للحدود يترك المسافر عالقًا بين الأرض والسماء.

وقد تكون "لوفتهانزا" أكبر دليل على هذا التخبّط. فمنذ أيام قليلة، أعلنت الشركة الألمانية مجددًا عن تمديد تعليق رحلاتها إلى بيروت حتى نهاية شهر نيسان 2026 على الأقل. والمفارقة أن هذا القرار لم يتوقف عند حدود بلد الأرز، بل شمل عواصم إقليمية أخرى، حيث وصلت بعض التأجيلات إلى تشرين الأول من العام الحالي.


بيت الضيعة بدل المالديف؟


ننتقل إلى شهر العسل؛ ففي حين لا يزال زخم الأعراس اللبنانية صامدًا بزفاته ومفرقعاته، وحفلاته التي تحافظ على بريقها المعهود، إلا أن المشهد يتغير جذريًا بمجرد انطفاء أضواء السهرة، حيث تبدأ "المأساة" الحقيقية. فبعدما كان قضاء شهر العسل في المالديف أو ربوع أوروبا تحصيلًا حاصلاً ومسارًا طبيعيًا لكل ثنائي، بات العرسان اليوم مرغمين على تقديم تنازلاتٍ موجعة: إما استبدال الوجهات الحالمة بأخرى قريبة وقليلة الكلفة، أو الاكتفاء بالبقاء في بيت الجد بالضيعة أو في أي بقعة من الربوع اللبنانية المتاحة.

ولم تقف الأزمة عند حدود المقيمين فحسب، بل طالت أوكسجين الصيف ونبضه: المغتربين. إذ تحول قدوم عائلة مغتربة مؤلفة من خمسة أفراد إلى لبنان، في ظل الغلاء الفاحش للتذاكر، إلى ما يشبه الانتحار المالي. هذا الواقع القاسي سيحوّل الصيف من موسمٍ للعناق واللقاء في صالات الوصول بمطار بيروت، إلى مجرد مواعيد افتراضية عبر مكالمات "فيديو كول" باهتة.


السفر مؤجل... ماذا عن "السان بلاش"؟

وإذا كان هذا الواقع الجديد سيُقلّص وهج صور جوازات السفر وبطاقات الصعود (Boarding Passes) ومشاهد الـ Check-in، التي طالما هيمنت على منصات التواصل الاجتماعي مع كل موسم صيف، فإن ما يدور خلف الشاشات يكشف عن تحوّل السفر إلى مشروعٍ مؤجّل يستوجب التفكير مرّة واثنتين... وربما عشر مرات. في المقابل، لا يبدو حال الاستجمام تحت شمس لبنان أفضل حالًا؛ إذ تشير المعطيات إلى أن المنتجعات والمسابح السياحية تستعد لاستقبال صيف 2026 بأسعار دخول نارية. وفي هذا السياق، يتذرع أصحاب تلك المنتجعات، الذين يعلّقون آمالهم على جيوب المغتربين لتعويض خسائرهم المتراكمة، بارتفاع أسعار المحروقات عالميًا وتكاليف التشغيل وتأمين الرواتب لتبرير هذا الرفع الجنوني للأسعار. وهنا، تقع "العترة على المواطن" المحاصر في فخ مزدوج: فلا السفر نحو الخارج بقي "أوفر"، ولا البحر المحلي ظلَّ متاحًا، ولم يعد أمامه سوى الاتكال على 'السان بلاش" لعلّه يبرد قليلاً من وطأة اشتعال الأزمات المحيطة به من كل جانب.




تذاكر الطيران بين 2019 و2026


الوجهة من بيروت 

السعر قبل الحرب

  السعر الحالي

قبرص (لارنكا)

$180 - $250   

$480 - $650

تركيا (إسطنبول/أنطاليا) 

$280 - $400  

  $700 - $950

دبي (الإمارات)

$400 - $600  

     $950 - $1400

مصر (شرم الشيخ) 

  $300 - $450 

 $750 - $1000

فرنسا (باريس)  

 $550 - $800 

$1200 - $1700

المالديف (مالي)

$650 - $850

  $1,170 - $1,550

     

هذه الأسعار تمثل متوسط تكلفة تذكرة الدرجة السياحية (ذهابًا وإيابًا) خلال ذروة الموسم السياحي، وتخضع لزيادات مستمرة مرتبطة بتوافر وقود الطائرات والتقلبات السياسية في المنطقة.