أمس، في عين التينة، شكر نبيه بري المملكة العربية السعودية. اقرأوا الجملة مرتين.
الرجل الذي، إلى جانب وليد جنبلاط، أسقط اتفاق 17 أيار 1983، والذي أمضى أربعة عقود مظلّة سياسية لحزب الله داخل المجلس، جلس مع الأمير يزيد بن فرحان ووضع على السجل ما رفض قوله لجيل كامل: لا سلام مع إسرائيل قبل السعودية. دقة العبارة أساسية. بري لم يقل لا سلام. قال لا سلام قبل أن تتحرّك المملكة. لقد غيّر ترتيب الأولويات.
في اليوم نفسه في واشنطن، دخلت سفيرة لبنان ندى حمادة معوّض إلى المكتب البيضاوي للمرة الثانية خلال عشرة أيام. الرواية الرسمية تتحدث عن ترامب، فانس، روبيو، وهدنة لعشرة أيام مُدّدت إلى واحد وعشرين. أما الرواية الفعلية فهي المثلث: بيروت تحدّثت في واشنطن لأن الرياض قالت لواشنطن إن ذلك ممكن.
مهاجمة السعودية في هذا التوازن ليست موقفاً سياسياً، بل تنازل مجاني. هناك أربع قوى ترسم الأسابيع الاثني عشر المقبلة للبنان: واشنطن، تل أبيب، طهران، والرياض. والمملكة هي الوحيدة التي تتقاطع رؤيتها مع ما يحتاجه لبنان فعلاً: انسحاب إسرائيلي كامل، وقف نار حقيقي، حصر السلاح بيد الدولة، وأموال إعمار تصل. استهداف الطرف الوحيد الذي تتطابق مصالحه بنيوياً مع مصلحة البلد ليس سيادة، بل اندفاع لا يحتمله لبنان.
انظروا إلى الرؤى المطروحة:
الرؤية الأميركية صفقة سريعة، إعلامية، تُكتب بصوت ترامب. يقودها روبيو، ينفّذها نيدهام، ويدير غرفها عيسى ولايتر. الهدف: نزع سلاح حزب الله قبل نهاية السنة، مصافحة بين جوزاف عون ونتنياهو في البيت الأبيض، وسلام يُضاف إلى سجل “أبراهام”. السرعة أولاً، التسلسل ثانياً.
الرؤية الإسرائيلية أكثر برودة. وزير الخارجية ساعر وصف لبنان بالدولة الفاشلة في الخطاب نفسه الذي أعلن فيه التفاوض. إسرائيل تريد منطقة عازلة شمال الخط الأزرق، ما تسمّيه الخط الأصفر، بعمق عشرة كيلومترات، خمس وخمسون بلدة مفرغة، وعمليات هدم على نموذج بيت حانون ورفح. نزع السلاح أولاً، ثم الانسحاب، وربما السلام. الزمن مفتوح، والأداة الجرافة.
الرؤية الإيرانية هي الحفاظ. طهران تصرّ على إدخال لبنان في مسار وقف النار الإيراني، لا حباً بقرية لبنانية، بل لأن حزب الله هو آخر أصولها الفاعلة غرب العراق. تريد تجميداً يمنح الحزب وقتاً للتنفس وإعادة البناء. قاسم يرفع سقف الخطاب من مخبأ جنوبي، مطالباً بإلغاء المفاوضات، وهو يعلم أنه لم يعد يملك الأصوات لفرض ذلك.
الرؤية السعودية هي الوحيدة المكتوبة في الدستور اللبناني: الطائف كاملاً. حصر السلاح بيد الدولة. انسحاب إسرائيلي. قانون انتخاب جديد. لامركزية. وإعمار مشروط بإصلاح قابل للتحقق. هذه ليست إملاءات سعودية، بل ما أعاده حسين الحسيني وأعضاء برلمان 1972 من الطائف عام 1989، وما حاول رفيق الحريري ترجمته، وما وقّعته الحكومات اللبنانية ثم خالفته. الرياض تطلب من لبنان احترام عقد كتبه بنفسه.
هناك أيضاً رؤية فرنسية وأخرى تركية-قطرية. باريس تريد دوراً لليونيفيل ومقعداً في أي مؤتمر، لذلك يعود ماكرون إلى الواجهة دورياً. أنقرة والدوحة تتحركان بهدوء، عبر باسيل وجنبلاط وقنوات موازية مع حزب الله، لمحاولة الدخول قبل تثبيت الخطوط. لكن لا قدرة لديهما على توفير ما يحتاجه لبنان، لا مالاً ولا نفوذاً أميركياً.
السؤال الأصعب: ماذا تحتاج كل طائفة فعلياً من هذه اللحظة؟
المسيحيون يحتاجون هذا السلام أكثر من غيرهم. البطريرك الراعي قالها بوضوح في بكركي بعد لقائه جوزاف عون: التفاوض ضرورة لا تنازل. باسيل قال إن حزب الله فقد شرعيته الداخلية ومبرر سلاحه. سمير جعجع اعتبر السلام ضرورة فرضتها مغامرات الحزب. قرى الجنوب المسيحية شبه فارغة. ما تبقّى من الوجود المسيحي مرتبط بدولة قادرة على الحماية خارج جبل لبنان، وهذه الدولة تحتاج تمويل إعادة إعمار سعودي. انتهى.
السنّة يحملون الثقل السياسي. نواف سلام في رئاسة الحكومة، والمفتي دريان على تنسيق مع الرياض. مخزومي يصيب حين يقول إن نزع السلاح دون تفكيك البنية المالية الموازية مجرد عرض. المصلحة السنية استعادة دور رفيق الحريري كجسر مع الخليج ورأس مال الإعمار. هذا الدور لا يقوم دون عودة السعودية.
الدروز أمام معادلة معقّدة. وليد جنبلاط حذّر من لعبة الأقليات التي تُجزّئ المنطقة. وهو محق، انظروا إلى السويداء. لذلك يطرح مقاربة محسوبة: تحديث هدنة 1949، انسحاب، بلا تطبيع. هو يشتري وقتاً وحماية لطائفته ولدولة قادرة على منع تفكيك الجبل. وهذه الدولة تحتاج غطاءً سعودياً.
الشيعة هم مركز المعادلة. شريحة واسعة منهم، حتى داخل بيئة الحزب، تحمّل حزب الله مسؤولية حرب لم يطلبوها، في تضامن مع إيران تخلّت عنهم عند الضربة. انتقال بري نحو الرياض يعكس تحوّلاً أعمق. قرى الجنوب الشيعية تحتاج إعماراً عاجلاً، وإيران لا تملك المال. الشيك الوحيد الممكن في هذه المنطقة توقيعه سعودي.
النافذة 21 يوماً، ثم تمديد أو انهيار. يزيد بن فرحان في بيروت. كرم سيقود الوفد. الجيش أمام أربعة أشهر في المرحلة الثانية من نزع السلاح، ويُطلب منه إنجازها بثلاثة.
جوزاف عون ونتنياهو على موعد محتمل في البيت الأبيض: إمّا لحظة تاريخية رفضها لبنان لأربعين عاماً، أو صورة تُقبر هذه الجولة لعقد جديد.
الخيار ليس بين السعودية والسيادة.
الخيار بين السعودية واللاجدوى.
اختاروا.