سوسن وزّان وسارة فوّاز

إدمان السُّكّر: التأثيرات الصحيّة والوقاية والعلاج

6 دقائق للقراءة

في ظلّ نمط الحياة الحديث، أصبح استهلاك السُّكّر جزءًا أساسيًا من النظام الغذائي اليومي للكثير من الناس، سواء عبر الحلويات أو المشروبات المحلّاة أو الأطعمة المصنعة. ومع تزايد هذا الاستهلاك، ظهر مفهوم "إدمان السُّكّر" كأحد التحدّيات الصحية المهمّة، حيث يشير إلى حالة من الاعتماد الجسدي والنفسي على تناول السُّكّريات بشكل مفرط. وقد أظهرت الأبحاث الحديثة أن للسُّكّر تأثيرات عميقة على الدماغ تشبه في بعض الجوانب تأثيرات المواد المخدِّرة، مما يجعله موضوعًا يستحق الدراسة والاهتمام.

يُصنف إدمان السُّكّر ضمن الإدمانات السلوكية، وهو يتمثل في الرغبة القهرية بتناول الأطعمة الغنيّة بالسُّكّر، حتى في غياب الحاجة الفعلية للطاقة. ويعاني الأفراد المصابون بهذه الحالة من صعوبة التحكّم في استهلاكهم، وقد يستمرون في تناول السُّكّر رغم إدراكهم للآثار السلبية على صحتهم. ويشبه هذا النمط ما يحدث في الإدمان على المواد المخدِّرة، حيث تظهر سلوكيّات مثل التوق الشديد، وفقدان السيطرة، وأعراض انسحابية عند

التوقف.


كيف يؤثر السُّكّر على الدماغ؟

عند تناوُل السُّكّر، ينشط نظام المكافأة في الدماغ، وهو النظام المسؤول عن الشعور بالمتعة والتحفيز. يؤدّي ذلك إلى إفراز الدوبامين، وهو ناقل عصبيّ يمنح الإحساس بالسعادة والرضا. ومع التكرار، يعتاد الدماغ على هذا التحفيز، ما يؤدّي إلى تقليل استجابته الطبيعية، وبالتالي يحتاج الفرد إلى كمّيات أكبر من السُّكّر للحصول على الشعور نفسه، وهي ظاهرة تُعرف بالتحمّل.

كما تلعب مناطق عدّة في الدماغ دورًا مهمًّا في هذه العملية، مثل القشرة الجبهيّة الأمامية التي تتحكم في اتخاذ القرار وضبط النفس، واللوزة الدماغية المرتبطة بالعواطف، وتحت المهاد الذي يُنظم الشهية. أيّ خلل في هذه المناطق قد يؤدّي إلى زيادة الاندفاع نحو تناول السُّكّر، وضعف القدرة على مقاومة الرغبات.


دور الهرمونات في تنظيم الشهيّة

لا يقتصر الأمر على الدماغ فقط، بل تشارك الهرمونات أيضًا في تنظيم الشهيّة والرغبة في تناول الطعام. فهرمون "الغريلين" يحفز الجوع، بينما يعمل "اللبتين" على تعزيز الشعور بالشبع. عند الإفراط في تناول السُّكّر، قد يحدث خلل في توازن هذه الهرمونات، ما يؤدّي إلى زيادة الشهية وصعوبة الشعور بالامتلاء. كما أن تقلُّب مستويات السُّكّر في الدم قد يؤدّي إلى نوبات من التعب والجوع المفاجئ، ما يدفع الشخص إلى تناول المزيد من السُّكّريات في حلقة مستمرة.


العوامل المؤدّية إلى إدمان السُّكّر

ثمّة مجموعة من العوامل تُسهم في تطوُّر حالة إدمان السُّكّر، منها:

• العوامل البيولوجية: مثل الاستعداد الوراثيّ والتغيّرات في كيمياء الدماغ.

• العوامل النفسية: حيث يلجأ البعض إلى إدمان السُّكّر كوسيلة للهروب من التوتر أو القلق أو الحزن.

• العوامل البيئية: مثل انتشار الأطعمة الغنيّة بالسُّكّر وسهولة الحصول عليها، بالإضافة إلى التأثير الكبير للإعلانات والعادات الاجتماعية.

كما أنّ نمط الحياة السريع وقلّة النوم قد يزيدان من الرغبة في تناول الأطعمة السُّكّرية كمصدر سريع للطاقة.


الأعراض ومظاهرها

يمكن التعرُّف على إدمان السُّكّر ومظاهره من خلال مجموعة من العلامات، أبرزها:

• الرغبة المستمرّة في تناول الحلويات والمشروبات السكّريّة.

• تناول كميات كبيرة دون الشعور بالشبع.

• فقدان السيطرة على العادات الغذائية.

• الشعور بالذنب بعد الإفراط في تناول السكّر.

• الاعتماد على السكّر لتحسين الحالة المزاجية.

• ظهور أعراض مثل التهيّج أو الصداع عند تقليل استهلاك السكّر.

كما قد يؤدي هذا الإدمان إلى تفضيل الأطعمة السكّرية على حساب الأطعمة الصحيّة، مما يسبّب خللا في التوازن الغذائي.


التأثيرات الصحية 

يمتدّ تأثير إدمان السُّكّر إلى العديد من الجوانب الصحية، ومنها:

1. السُّمنة وزيادة الوزن: حيث يؤدّي الاستهلاك المفرط إلى زيادة السعرات الحرارية وتخزين الدهون.

2. مرض السكّري: نتيجة اضطراب مستويات السُّكّر في الدم وضعف استجابة الجسم للأنسولين.

3. أمراض القلب: مثل ارتفاع ضغط الدم وزيادة الدهون الضارة.

4. الالتهابات المزمنة: التي قد تؤدي إلى أمراض خطيرة على المدى الطويل.

5. تأثيرات نفسية وعصبية: مثل القلق، والاكتئاب، وضعف التركيز والذاكرة.

كما يشير بعض الدراسات إلى أن الإفراط في السكّر قد يؤثر سلبًا على وظائف الدماغ، خاصة في مناطق التعلُّم واتخاذ القرار.


طرق العلاج 

يمكن التعامل مع إدمان السُّكّر من خلال مجموعة متكاملة من الاستراتيجيات:

1- العلاج النفسي: يُعدّ العلاج السلوكي المعرفي من أهم الأساليب، حيث يساعد الأفراد على فهم أسباب سلوكهم وتغيير أنماط التفكير المرتبطة بالإدمان. كما يساعد في تطوير مهارات التحكم في الرغبات والتعامل مع الضغوط.

2- التعديلات الغذائية:

• تقليل السُّكّر بشكل تدريجي لتجنب الأعراض الانسحابية.

• استبدال الحلويات بالفواكه الطبيعية.

• تناول وجبات متوازنة تحتوي على البروتين والألياف.

3- النشاط البدني: يساعد التمرين المنتظم في تحسين المزاج وتقليل التوتر، ما يقلّل الحاجة إلى السُّكّر كمصدر للراحة النفسية.

4- الدعم الاجتماعي: دعم الأسرة أو الأصدقاء أو المختصين يمكن أن يكون عاملا مهمًا في النجاح.

5- التدخلات الطبية: في بعض الحالات، قد تُستخدم أدوية أو مكمّلات لتقليل الرغبة، لكن ما يزال هذا المجال بحاجة إلى مزيد من الدراسات.


الوقاية من إدمان السُّكّر

الوقاية دائمًا أفضل من العلاج، ويمكن تحقيق ذلك من خلال:

• تقليل استهلاك الأطعمة المُصنعة.

• قراءة المكوّنات الغذائية بعناية.

• تعزيز الوعي الصحيّ حول مخاطر السكّر.

• تشجيع الأطفال على اتباع عادات غذائية صحيّة منذ الصغر.

• الحفاظ على نمط حياة متوازن يشمل النوم الجيد والنشاط البدني.

إدمان السُّكّر إذًا ليس مجرّد عادة غذائية سيئة، بل هو حالة مُعقدة تشمل تفاعلات بين الدماغ والسلوك والبيئة. ومع تزايد الأدلة على أضراره، يصبح من الضروري التعامل معه بجدية من خلال التوعية والتدخل المبكّر. إن تبني نمط حياة صحيّ، والوعي بالعادات الغذائية، والبحث عن الدعم عند الحاجة، كلّها خطوات أساسية للحدّ من استهلاك السُّكّر وتحسين الصحة العامة وجودة الحياة.

www.dietcenterleb.com

[email protected]

Instagram: dietcenterleb

LinkedIn: Diet Center Lebanon