سوسن وزّان وسارة فوّاز

الصيام المتقطّع: فعّال لخسارة الوزن وتحسين الصحة؟

7 دقائق للقراءة

في السنوات الأخيرة، بات الصيام المتقطِّع من أكثر الأنظمة الغذائية انتشارًا حول العالم، ليس فقط بين الأشخاص الذين يرغبون في خسارة الوزن، بل أيضًا بين المهتمّين بتحسين صحتهم العامة والوقاية من الأمراض المزمنة. ومع تزايد شعبيته، كثرت الدراسات والأبحاث التي تحاول فهم تأثيراته الحقيقية على الجسم، وما إذا كان يتفوّق على الحميات التقليدية المعتمدة على تقليل السعرات الحرارية. وقد أظهرت دراسة حديثة نُشرت في مجلة "The BMJ" الطبيّة، وأشرف عليها باحثون من "كلية هارفارد للصحة العامة"، أنّ الصيام المتقطِّع قد يكون فعّالا بالقدر نفسه الذي تحققه الحميات التقليدية في خسارة الوزن وتحسين مؤشرات صحة القلب والتمثيل الغذائي، بل إنّ بعض أنواعه قد يحقق نتائج أفضل.

الصيام المتقطِّع نمط غذائي يعتمد على التناوب بين فترات محدّدة من تناول الطعام وفترات أخرى من الامتناع عنه. وعلى عكس الحميات التقليدية التي تركِّز على نوعية الطعام أو عدد السعرات فقط، يركّز الصيام المتقطِّع بشكل أساسي على "توقيت" تناول الطعام.

ثمّة أنواع عدّة من الصيام المتقطِّع، وأشهرها:


1. نظام 16:8

يعتمد على الصيام لمدة 16 ساعة يوميًا، مع تناول الطعام خلال 8 ساعات فقط. على سبيل المثال، يمكن تناول الطعام بين الساعة 12 ظهرًا و8 مساءً، ثم الامتناع عن الطعام حتى اليوم التالي.


2. نظام 5:2

يتناول المرء الطعام بشكل طبيعي لمدة خمسة أيام في الأسبوع، بينما يقلّل السعرات الحرارية بشكل كبير أو يصوم يومَين غير متتاليَين.


3. الصيام يومًا بعد يوم

ويُعرف باسم "Alternate Day Fasting"، حيث يصوم الشخص يومًا كاملا أو يستهلك كمية قليلة جدًا من السعرات، ثم يتناول الطعام بشكل طبيعي في اليوم التالي. وقد أشارت الدراسة الحديثة إلى أنّ هذا النوع كان الأكثر فعالية بين جميع الأنظمة المدروسة.


ماذا قالت الدراسة الحديثة؟

أجرى الباحثون مراجعة علمية واسعة وتحليلا شاملا لـ99 دراسة سريرية شملت أكثر من 6500 مشارك، وكان الهدف مقارنة تأثير الصيام المتقطِّع مع الحميات التقليدية منخفضة السعرات، بالإضافة إلى الأنظمة الغذائية غير المقيّدة. وكان متوسط مؤشر كتلة الجسم لدى المشاركين حوالى 31، أي أنّ معظمهم كانوا يعانون من زيادة الوزن أو السمنة، كما أنّ نحو 90% منهم كانوا يعانون من مشكلات صحية موجودة مسبّقًا مثل السكّري، أو ارتفاع ضغط الدم، أو اضطرابات الدهون.

وأظهرت النتائج أنّ:

• الصيام المتقطِّع والحميات التقليدية كانا متشابهَين تقريبًا في فعالية خسارة الوزن.

• كليهما كان أفضل بكثير من عدم اتباع أي نظام غذائي.

• الصيام يومًا بعد يوم حقّق أفضل النتائج، إذ أدّى إلى خسارة إضافية في الوزن بلغت حوالى 1.3 كيلوغرام مقارنة بالحميات التقليدية.

• ساعد الصيام المتقطِّع أيضًا في تحسين مؤشرات صحية مرتبطة بصحة القلب والتمثيل الغذائي.

لكن، كيف يساعد الصيام المتقطِّع على خسارة الوزن؟

عند الامتناع عن تناول الطعام لفترة طويلة نسبيًا، يبدأ الجسم باستخدام مخزون الطاقة الموجود فيه، وخصوصًا الدهون المخزّنة. كما أنّ تقليل عدد ساعات تناول الطعام قد يؤدي تلقائيًا إلى تقليل كمية السعرات الحرارية المستهلكة خلال اليوم. إلى ذلك، قد يساعد الصيام المتقطِّع على:

• تحسين حساسية الجسم للإنسولين.

• تقليل الشعور بالجوع لدى بعض الأشخاص مع الوقت.

• تنظيم مستويات السكّر في الدم.

• تعزيز حرق الدهون.

إنما من المهم الإشارة إلى أنّ النتائج تختلف من شخص إلى آخر، وأنّ نجاح النظام يعتمد أيضًا على نوعية الطعام المتناوَل خلال فترة الأكل.


الصيام المتقطّع والصحة

لم تقتصر فوائد الصيام المتقطّع في الدراسة على خسارة الوزن فقط، بل شملت أيضًا عدة مؤشرات مرتبطة بصحة القلب والأوعية الدموية، مثل:

انخفاض محيط الخصر: يرتبط تراكم الدهون حول منطقة البطن بزيادة خطر الإصابة بأمراض القلب والسكري. وقد أظهر الصيام المتقطّع قدرة على تقليل هذه الدهون بشكل ملحوظ.

تحسين مستويات الكوليسترول والدهون الثلاثية: ساهم الصيام المتقطّع في خفض مستويات الدهون الثلاثية والكوليسترول الضار لدى بعض المشاركين، ما قد يساعد في تقليل خطر تصلّب الشرايين.

تقليل الالتهابات: لاحظ الباحثون انخفاض مستويات بروتين "C-reactive protein (CRP)"، وهو مؤشر يرتبط بالالتهابات المزمنة وأمراض القلب.


هل الصيام المتقطّع مناسب للجميع؟

رغم النتائج الإيجابية، شدّد الباحثون على أنّ الصيام المتقطّع ليس الخيار المثالي لكلّ شخص. فثمّة أفراد قد يجدون صعوبة في الالتزام به على المدى الطويل، بينما قد يكون غير مناسب لبعض الحالات الصحية. ومن الفئات التي تحتاج إلى استشارة طبية قبل اتباعه:

• مرضى السكّري، خاصة من يستخدمون الإنسولين.

• الحوامل والمرضعات.

• الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات الأكل.

• من لديهم نقص في الوزن أو سوء تغذية.

• الأشخاص الذين يتناولون أدوية تتطلّب الطعام في أوقات محدّدة.

كما أنّ بعض الأشخاص قد يعانون في البداية من أعراض مثل: الصداع، والتعب، والدوخة، وصعوبة التركيز، والعصبية، أو تقلّب المزاج. وغالبًا ما تتحسّن هذه الأعراض تدريجيًا مع تأقلم الجسم.


بين الصيام ونوعية الطعام

يعتقد البعض أنّ الصيام المتقطّع يسمح بتناول أي نوع من الطعام طالما يتمّ الالتزام بساعات الصيام، لكنّ هذا الاعتقاد غير دقيق. فحتى مع الصيام المتقطّع، تبقى جودة الغذاء عنصرًا أساسيًا لتحقيق النتائج الصحية المطلوبة. إذ إنّ الإفراط في تناول السكّريات، والوجبات السريعة، والمشروبات العالية السعرات خلال فترة الأكل قد يقلّل الفوائد بشكل كبير. لذلك يُنصح بالتركيز على: الخضار والفواكه، والبروتينات الصحية، والحبوب الكاملة، والدهون الصحية مثل زيت الزيتون والمكسّرات، وشرب كميات كافية من الماء.


الصيام المتقطّع والرياضة

يمكن دمج الصيام المتقطّع مع النشاط البدني لتحقيق نتائج أفضل، لكن ينبغي الانتباه إلى توقيت التمارين ونوعيتها. يفضِّل بعض الأشخاص ممارسة الرياضة قبل موعد الإفطار مباشرة لتحفيز حرق الدهون، بينما يشعر آخرون بطاقة أكبر عند ممارسة الرياضة بعد تناول الطعام. كما يُنصح بالتركيز على:

• تمارين المقاومة للحفاظ على الكتلة العضلية.

• المشي والنشاط اليومي.

• تجنُّب التمارين العنيفة جدًا في بداية تطبيق النظام.


هل نتائجه مضمونة؟

رغم النتائج المشجِّعة، أوضح الباحثون أنّ معظم الدراسات التي جرى تحليلها استمرّت أقل من 24 أسبوعًا، أي أنّ المعلومات المتعلقة بالتأثيرات الطويلة الأمد ما تزال محدودة. وهذا يعني أنّ العلماء ما زالوا بحاجة إلى مزيد من الدراسات لمعرفة:

• مدى قدرة الأشخاص على الالتزام بالنظام لسنوات.

• تأثيره الطويل الأمد على صحة القلب والهرمونات.

• مدى استدامة خسارة الوزن بعد التوقف عنه.

فالعديد من الأنظمة الغذائية قد تعطي نتائج ممتازة في البداية، لكنّ التحدي الحقيقي يكمن في الاستمرار عليها من دون الشعور بالحرمان أو الإرهاق. تشير الأبحاث الحديثة إلى أنّ الصيام المتقطّع قد يكون وسيلة فعّالة لخسارة الوزن وتحسين بعض مؤشرات الصحة الأيضية وصحة القلب، خاصة عند تطبيقه بطريقة متوازنة ومدروسة. وقد أظهرت الدراسات أنّ بعض أنواعه، مثل الصيام يومًا بعد يوم، قد تحقق نتائج أفضل من الحميات التقليدية منخفضة السعرات. لكن في المقابل، لا يوجد نظام غذائي يناسب الجميع. فنجاح أي حمية يعتمد على قدرة الشخص على الالتزام بها، ومدى توافقها مع حالته الصحية ونمط حياته. لذلك يبقى الهدف الأساسي هو الوصول إلى أسلوب حياة صحي ومستدام، وليس فقط خسارة الوزن لفترة قصيرة.

www.dietcenterleb.com

[email protected]

Instagram: dietcenterleb

LinkedIn: Diet Center Lebanon