رزان الحلو

حتّى يصبح الخير نظامًا: ستة أوجه لإصلاح لبنان

6 دقائق للقراءة

المصدر: The Beiruter

كتبت رزان الحلو في موقع The Beiruter المقال الآتي:

"الخير لا يكمن في العظمة، بل العظمة تكمن في الخير" — أثينايوس

تعكس هذه المقولة فهمًا عميقًا بأن الخير بطبيعته أخلاقي، وأن ما نعدّه جديرًا أو مُستحقًا للإعجاب يستند في جوهره إلى ما نراه صوابًا. غير أنّ ارتباط الخير بالأخلاق لا يكفي ليُحدث أثرًا في الحياة العامة. فلا يمكن له أن يبقى حبيس القناعات المشتركة حول ما هو صحيح. فالادعاء وحده لا يقود بالضرورة إلى الفعل؛ إذ قد يتوافق المجتمع على ما هو صائب، ثم يناقضه في سياساته وبُناه وممارساته العامة. من هنا، يصبح من الضروري التمييز بين الخير بوصفه ادّعاءً أخلاقيًا، والخير بوصفه ممارسة قابلة للتحقق. في هذا السياق، يُقصد بالخير في هذا المقال كيفية تنظيمه وتجسيده عمليًا، لا سيما في الحالة اللبنانية.

لنبدأ أولًا على المستوى الفردي. يُختبر الخير هنا كدافع فطري للحفاظ على الذات: السعي إلى تأمين الراحة الجسدية والنفسية والمادية، وحماية النفس من كل ما يهدد الرفاه والسعادة. وعلى الرّغم من أهمية هذا البعد، فإنّ الخير لا يقتصر عليه. ففي الحالة اللبنانية تحديدًا، تبرز الحاجة إلى الانتقال من منطق "شو وقفت عليّي" إلى منطق يُعلي من قيمة الخير الجماعي والبنيوي والعلائقي.

يمكن مقاربة الخير من خلال ستة أبعاد متداخلة ومتكاملة: الخير المطلق، الخير الأخلاقي، الخير الاجتماعي، الخير السياسي، الخير الاقتصادي والخير التعليمي. وفيما يلي نماذج لكيفية ترسيخ هذه الأبعاد في لبنان.

الخير المطلق:


يُفهم هذا البعد في إطار الوعي المدني، حيث يقف جميع الأفراد على قدم المساواة ضمن دولة يحكمها قانون يُطبّق على الجميع دون تمييز. ويتطلّب ذلك ترسيخ هوية مدنية تتجاوز الانتماءات الحزبية والعقائدية والدينية والطائفية.

ومن بين الخطوات الأساسية لتحقيق ذلك، إلغاء المحاكم الاستثنائية والهيئات ذات الصلاحيات الخاصة، التي تُنشئ تمايزًا في المعاملة القانونية على أساس الصفة المصطنعة بدلًا من طبيعة الجرم أو النزاع. فهذه الآليات تُضعف مبدأ المساواة أمام القانون وتُقوّض العدالة.

الخير الأخلاقي:


يتجلّى هذا البعد في الالتزام بالقيمة الإنسانية للإنسان بصفته إنسانًا، دون أي تمييز قائم على الجنس أو الطائفة أو المنطقة. كما يتضمن احترام القيم الإنسانية في بعدها الكوني، خارج قيود الزمان والمكان.

وفي لبنان، يظهر ذلك بوضوح في النضال من أجل حق المرأة اللبنانية في منح جنسيتها لأبنائها، باعتباره تجسيدًا مباشرًا لمبدأ المساواة ورفضًا لأي شكل من أشكال التمييز، ولا سيّما الجندري والنوع الاجتماعي، وتأكيدًا على أن الكرامة الإنسانية غير قابلة للتجزئة.

الخير الاجتماعي:


يتمثّل في تحقيق العدالة الاجتماعية الفعلية، والعمل المستمر لضمان الرفاه والأمان الاجتماعي. ويشمل ذلك توزيعًا عادلًا للموارد والخدمات، في إطار الإنماء المتوازن، وتأمين فرص العمل والخدمات الأساسية لجميع المواطنين على أساس الكفاءة والجدارة، بعيدًا عن أي تمييز طائفي أو مناطقي أو جندري، مع الالتزام بمبادئ النزاهة والحوكمة الرشيدة.

الخير السياسي:


يتجلّى في إصلاح النظام السياسي بما يضمن أن تُمارَس السلطة بما يعكس مصالح جميع المواطنين. وفي لبنان، يمرّ ذلك عبر استكمال تنفيذ اتفاق الطائف، لا سيما من خلال تعزيز اللامركزية الإدارية، مع الحفاظ على الميثاق الوطني الضامن لحقوق جميع اللبنانيين.

كما يتطلب تعزيز الديمقراطية التوافقية، وتجنّب حكم الأكثرية المبني على الاصطفاف الطائفي، ورفض هيمنة الأقليات تحت غطاء الامتياز الطائفي. ويستدعي ذلك تغييرًا في الخطاب السياسي، بحيث تُستبدل الإحالات الطائفية بمفهوم المواطنة الصالحة كأساس للحكم وتوزيع السلطة. ومن الأمثلة على ذلك إصلاح النظام الانتخابي والبرلماني بما يمنح الحق في صحّة التمثيل، ويمنع تعطيل القرار عبر الاستخدام الطائفي لأدوات دستورية من مثل النصاب القانوني.

أما على مستوى السياسة الخارجية، فيقتضي الأمر اعتماد سياسة الحياد الإيجابي، وبناء علاقات متوازنة مع الدول المجاورة على قاعدة "حسن الجوار والاحترام المتبادل بين الدول"، والسعي إلى سلام دائم، ونبذ العنف ورفض خطابات التحريض والكراهية.

الخير الاقتصادي:


يتحقق حين يصبح الاقتصاد في خدمة المجتمع، لا في خدمة شبكات المصالح والامتيازات. وهذا يتطلب إصلاح النظام المالي، ووضع استراتيجيات واضحة للنمو المستدام، وتقليل الاعتماد على الاقتصاد الريعي، وتفعيل آليات الاقتصاد المنتج. كما يستدعي تعزيز الشفافية والمساءلة عبر آليات رقابية فعالة، وإصلاح السياسات الضريبية بما يحقق العدالة ويُمكّن الدولة من تمويل الخدمات العامة الأساسية.

ولا يمكن إغفال ضرورة مكافحة الفساد ورفع الحماية عن المستفيدين من النظام، إلى جانب وضع خطة شاملة للتعافي المالي تعالج الدين العام، وتُعيد هيكلة القطاع المصرفي، وتحمي حقوق المودعين. فالاستقرار الاقتصادي والعدالة في توزيع الموارد يشكّلان الأساس الذي تقوم عليه بقية أشكال الخير، إذ يصعب تحقيق مجتمع أقل عنفًا وتطرّفًا في ظل اختلال اقتصادي عميق.

الخير التعليمي:


يتحقق عبر نظام تعليمي عادل وفعّال، قادر على إعداد مواطنين واعين ومنخرطين ومؤهّلين. وفي لبنان، يتطلب ذلك تحديث المناهج لتعزيز التفكير النقدي، والمواطنة الفاعلة، والمهارات العملية.

كما يستوجب تحسين الحوكمة في قطاع التعليم لضمان الجودة ومنع التمييز بين المناطق والمؤسسات. وينبغي أيضًا ربط التعليم بسوق العمل من خلال تطوير التعليم المهني والتقني، وتعزيز التعاون بين المدارس والجامعات والقطاع الخاص. وفي هذا السياق، يمكن التفكير في تقصير مدة التعليم الإلزامي، وإعادة هيكلة الامتحانات الرسمية بما يتلاءم مع الأهداف التربوية الحديثة، كما يسمح للطلاب بالانتقال المبكر إلى التعليم العالي أو سوق العمل بكفاءة.

إنّ إعادة تأهيل المدارس المهنية وتشجيع العمل دون وصمة اجتماعية يُعدّان عنصرين أساسيين في بناء نظام تعليمي منتج. وبهذا، يصبح التعليم أداة فعلية لتحقيق الخير العام، وتعزيز المساواة، وبناء مجتمع متماسك.

في الخلاصة
يبقى الإقرار بأن هذا المسار طويل ومفتوح. فهذه الأبعاد الستة ليست حصرية ولا نهائية، إذ تظل هناك مجالات أخرى، كالصحة النّفسيّة والعقليّة والجسديّة، جزءًا أساسيًا من أي مشروع إصلاحي.

وأخيرًا؛ إذا كان للإصلاح معنى، فهو يكمن في تحويل الخير من فكرة إلى ممارسة. والبداية تكون ببناء هوية مدنية جامعة، عابرة للهويات الدّينيّة، صغرى أو كبرى، لا يزال لبنان يفتقدها، ليكون لبنان أوّلًا.