الدكتور سايد حرقص

الرئيس يصرخ: "أيها الخونة ...مات أهلي...هل تسمعون؟؟؟"

3 دقائق للقراءة

​لعلّ الفيلسوف جبران خليل جبران كان من أوائل المفكرين الذين استشرفوا لعنة الصراعات حين يقع الوطن ضحيةً لمحاور الشرق والغرب. صرخته الشهيرة "مات أهلي" تعود اليوم لتتردد في أروقة قصر بعبدا، بلسان فخامة الرئيس جوزيف عون، الذي يواجه واقعاً مريرًا بين نيران العدو الإسرائيلي وجحيم "الأدمغة المخدرة" بأيديولوجية الموت التي تصدّرها إيران.

​لا يمكن فهم الانهيار الحالي دون العودة إلى الجذور. فمنذ حقبة ما بعد الطائف، وتحديداً إبان قيادة الرئيس إميل لحود للجيش، بدأ المسار الممنهج لتهميش الجيش الشرعي وتوفير الغطاء الرسمي لنمو ميليشيات ممولة من ايران. وتحت ألف ذريعة وذريعة، جرى إضعاف منطق الدولة لصالح ميليشيات موازية، مما حوّل البلد إلى أرض مكشوفة تعيش هاجس الحروب الدائمة، واستُبدلت ثقافة الحياة بـ"أيديولوجية الموت" التي لا تخدم سوى طموحات الملالي في الجمهورية الاسلامية الايرانية.

​إن هذا المسار الذي بلغ ذروته في عهد الرئيس ميشال عون هو الذي أوصل لبنان اليوم ليكون رهينةً بقرار عسكري إيراني مباشر. فالشرعية التي تآكلت منذ سنوات، سمحت لحزب الله ومن ورائه ايران بمصادرة قرار الحرب والسلم، وإقحام اللبنانيين في أتون صراعات مدمرة دون توافق وطني، مما جعل البشر والحجر في مواجهة آلة قتل مسيرة بالذكاء الاصطناعي، بينما القرار الفعلي يقبع في طهران.​

​اليوم، انهار جبل الأوهام القائم على شعار "نحمي ونبني". فلا السلاح الموازي حمى الأرض من الدمار، ولا الوعود أعادت بناء ما تهدم؛ بل على العكس، دخلت البلاد في دوامة تدمير ممنهج أطاحت بالاقتصاد والأمن وحتى بأحلام الشباب. وأصبحت الهجرة هي الملاذ الوحيد، والفقر قدراً مفروضاً نتيجة العزلة التي فرضها الارتهان للمحور الإيراني.

​في هذا السياق، تكتسب صرخة رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون في وجه "الخونة" والزمر المأجورة التي تهاجمه معناها الحقيقي. إنها صرخة ضد الموت المجاني، وضد تحويل اللبناني إلى وقود في الكباش الإيراني-الأميركي. إن موقف الرئيس جوزيف عون يمثل الخط الفاصل بين ​منطق المؤسسات الذي يسعى لاستعادة السيادة وحصر قرار السلاح بيد الدولة و​منطق عصابات الأمر الواقع الذي تمثله القوى المرتهنة لايران والتي ترى في لبنان مجرد "ساحة" لتبادل الرسائل.

​إن القضية لم تعد خياراً سياسياً، بل هي معركة وجود. إما أن يكون لبنان وطناً نهائياً لجميع أبنائه، أو يبقى ساحة مفتوحة لحروب الآخرين بقرار من "الوكلاء" المرتهنين.

​​"مات أهلي"... ليست مجرد جملة من الماضي، بل هي إنذار أخير لكل لبناني. إن دعم توجهات فخامة الرئيس في هذه اللحظة المفصلية هو السبيل الوحيد لكسر دوامة التبعية. والسؤال الذي يفرض نفسه: هل يملك اللبنانيون الجرأة لتحويل هذه الصرخة إلى فعل تغيير شامل يدعم منطق الدولة ويحرر القرار الوطني من قيود الأجندات الخارجية؟ أم سيبقون أسرى لأحقاد الماضي وقصر النظر الذي لا ينتج إلا المآسي؟

​اليوم على الجميع أن يدرك أن جميع السبل قد سُدّت في وجهنا جميعا ، ولم يبقَ إلا طريق واحد: استعادة الدولة، أو الاندثار في متاهة الأوهام التي لا تنتهي.