جوزف سوفولاوس

انتظموا!

4 دقائق للقراءة

تتوجّس القوى الرّجعيّة الرّافضة لانعتاق شعبنا المسيحيّ في نظامٍ يصون حكمه الذّاتيّ من حركة الفدراليّين، غير أنّ توجّسها محصورٌ في القلق العاطفيّ أكثر من الهاجس الوجوديّ. هذه القوى، وفي طليعتها حزب الله، تدرك تمامًا أنّ الحركة الفدراليّة أو التّحرّريّة تتزايد شعبيًّا في الوسط المسيحيّ، لكنّها تعي جيّدًا أنّ وسائلها وأدواتها الإعلاميّة والحزبيّة (التّيّار العونيّ) كفيلةً حتّى اللّحظة بمواجهة هذه النّزعة التّحرّريّة؛ لأنّ بديلها عند الخطر الوجوديّ سيكون العنف السّياسيّ. وفي الوقت نفسه يدرك الفدراليّون تمامًا القوّة الفكريّة التي أحدثتها حركتهم في الوسط المسيحيّ المتخبّط بين الولاء الزّعاماتيّ-القبليّ، والموروث الفكريّ اللّبنانويّ الفارغ، وتروما الحرب الأهليّة المسيحيّة. كذلك يعي الفدراليّون أنّ الحركة التّحرّريّة لا يمكنها الاستمرار بدون الانتقال إلى التّنظيم، فالتّنظيم هو ما سيحدّد مستقبل حركتنا وطريقة تكيّفها مع المعطيات الحسّيّة الجديدة. وهذا ما يضعنا في نقيض منطق حلقات النّقاش الاعتراضيّة.

فلا يمكن تصوّر تغيير سياسيٍّ حقيقيّ بوساطة حلقات نقاشٍ تدعو إلى الحكم الذّاتيّ فيما تكتفي بنقد القوى الرّجعيّة على نحوٍ منفصلٍ عن الواقع، إنْ لم نقل متجاهلًا لفوارقه الدّقيقة. حالُ هؤلاء كحال المثقّفين الاشتراكيّين الذي أمضوا ساعاتٍ في صالوناتهم يتناقشون مسألة توزيع الأرباح في نظامهم الاشتراكيّ "الورقيّ"، فيما الطّبقات العاملة الفقيرة ترزح تحت الاستعباد والاستغلال.

لم يؤخرّ شيءٌ تطوّر الحركة التّحرّريّة بقدر ما أخرّتها هذه الحلقات، حيث تُختصر آليّتها بالمتتالية الآتية: اجتماعٌ، فنقاشٌ، فخلافٌ، فنقاشٌ، فاجتماعٌ، فنقاشٌ، فخلافٌ، إلخ. ولعلّ المتتالية قد تكون لامتناهيةً لولا طبيعة أعمار البشر. لذلك من الجليّ أنّ حلقات التّوفيق السّياسيّ، أو صالونات النّقاش المفرط في تفاؤله عقيمةٌ، وينبغي الإقرار بعُقمها لتجاوزها كطورٍ سياسيٍّ في سياق مسار تطوّر الحركة الفدراليّة المسيحيّة. وتجاوزها يفترض تجاوز طفلها المدلّل، أي منطق التّوفيق بين المتضادات. فالخطوة الفعليّة التي يجب أن ينتقل إليها الفدراليّون ليست الاتّحاد؛ لأنّ الوحدة السّياسيّة لا قيمة لها إنْ لم يرافقها وضوحٌ أيديولوجيٌّ؛ الجانب التّقنيّ أو الشّعاراتيّ غير كافٍ، بل إنّه كفيلٌ بتحويل أحلام الوحدة إلى كوابيس جداليّةٍ (ولدينا كمسيحيّين تجارب مريرةٌ مع الاتّحادات السّياسيّة الفاشلة).

الخطوة الفعليّة والجدّيّة لمستقبل حركتنا التّحرّريّة هي الانتظام، أو المأسسة، ولا حاجة لنا لتخيّل آثار غياب التّنظيم السّياسيّ عند مسيحيّي لبنان؛ ها هم مسيحيّو سوريا مثالٌ واضحٌ عن خطورة غيابه. فالانتظام نفسه فعلٌ تحرّريٌّ، إنّه انعتاقٌ من أنموذج الزّعيم/المخلّص وانتقالٌ نحو هيئات واضحة الصّلاحيّات ومحدّدة الأدوار، تعلم ما ترفضه وتعرّف ما تريده في إطارٍ ديمقراطيٍّ يجنّب السّقوط في الصّراعات الأنويّة. فلو لم ينتظم الشّيوعيّون الرّوس في حزبٍ لكان حالهم كحال اللّاسلطويّين: يجلسون في المقاهي وينتقدون سياسات القيصر بدون ثقلٍ قادرٍ على التّأثير عمليًّا. ولو لم ينتظم اليهود في وكالةٍ لأبيدَ أكثرهم مع البونديّين دعاة الاندماج في الدّول الكارهة لوجودهم فيها.

الشّعب، شعبنا، لا يستطيع ارتجال حركة تحرّره كشعبٍ، وإلّا لكان حراكه أشبه بالثّورة المؤقّتة التي يسهل كسرها، وكومونة باريس سنة 1871 خير مثال عليها، حيث نجح الثوّار في انتزاع حكمٍ ذاتيٍّ في باريس دام شهرين قبل أن تقضي عليه السّلطات المركزيّة في ما بات يُعرف بالأسبوع الدّمويّ. ويجمع المؤرّخون والشّخصيّات التي عايشت هذه الانتفاضة، ومنهم كارل ماركس، أنّ غياب التّنظيم هو أحد الأسباب الرّئيسة التي أحبطت نجاحها.

إنّ العلاقة بين التّنظير الفكريّ التّحرّريّ والممارسة العمليّة لا تمرّ إلّا عبر وسيط التّنظيم، أي الانتظام في مؤسّسةٍ (وكالةٌ، حزبٌ، جمعيّةٌ إلخ)، حيث يؤدّي فيها الأفراد التّحرّريّون أدوارهم بانسجامٍ كجماعةٍ لقيادة المعركة ضدّ النّظام المركزيّ وجميع سلطاته. أمّا إذا ثمّة استحالةٌ في بلوغ طور المأسسة، فهذا يعني أنّ المعركة التّحرّريّة خاسرةٌ قبل خوضها.