د. جوسلين البستاني

"ما نقوم به ليس خيانة"

5 دقائق للقراءة
الرسالة لا تقرأ بوصفها إساءة رمزية فحسب بل أيضًا كحملة تجريد معنوي

لم يعد كافيًا في لبنان عرض الحجج السياسية أو الدفاع عن منطق الدولة في مواجهة "حزب اللّه". فالمشكلة لا تقتصر على خلاف سياسيّ يمكن حسمه بالوقائع، لأن ساحة الصراع نفسها أعيد تشكيلها مسبقًا عبر حرب إدراكية ومعلوماتية طويلة الأمد. وبحلول اللحظة التي يسعى فيها خصوم "حزب اللّه" إلى شرح مواقفهم أو تبرير اعتراضاتهم، تكون البيئة النفسية والسّردية قد أعدّت سلفًا لتلقي هذه المواقف بوصفها خيانة أو استهدافًا لـ "المقاومة".

ولفهم هذه الاستراتيجية، من المفيد النظر إلى "حزب اللّه" بصفته فاعلا هجينًا يدمج في بنيته العديد من السلوكيات المرتبطة تاريخيًا بحروب العصابات، فاستوعب أن المواجهة العسكرية وحدها لا تكفي لضمان البقاء الاستراتيجي. لأن المعركة على الإدراك لا تقلّ أهمية عن المعركة العسكرية؛ إذ إن من يُعرّف الواقع، لا الوقائع، هو من يحتكر الشرعية.

إنها ليست بروباغندا بالمعنى الكلاسيكيّ، لأنها تحمل سمات ما عرفته العقائد الاستخباراتية منذ زمن بـ "الإجراءات النشطة" (Active Measures)، ثمّ جرى تطويرها في سياق الحروب المعلوماتية المعاصرة. فالهدف ليس مجرّد الإقناع، بل تقويض الثقة، وتفكيك الإجماع، وتحويل مؤسّسات الدولة تدريجيًا إلى كيانات عاجزة عن أداء وظائفها.

ولا تقلّ طريقة تسويق هذه الحرب الإدراكية أهمية عن مضمونها؛ فالسردية نادرًا ما تنشر من مصدر واحد واضح المعالم، بل تُمرّر عبر شبكة من الأصوات المتعاطفة، من شخصيات إعلامية ومحلّلين وفاعلين على وسائل التواصل الاجتماعيّ، بما يخلق انطباعًا بوجود إجماع شعبي "طبيعي". ويهدف هذا النوع من "تبييض السرديّات" (Narrative Laundering) إلى إخفاء الجهة الأصلية المنتجة للخطاب. كما يشكّل عامل الكثافة والتكرار جزءًا أساسيًا من هذه المنظومة، التي تعرف تحت مسمّى "سيل الأكاذيب" (Firehose of Falsehood)، حيث تكون الأولوية للإغراق المعلوماتي لا للتماسك المنطقي، بهدف إنهاك قدرة الجمهور على التقييم النقدي.

ويزداد هذا الواقع تعقيدًا خلال فترات التصعيد العسكري، حيث تصبح البيئة الإدراكية أكثر قابلية للتعبئة العاطفية وأقلّ استعدادًا للتفاعل مع النقاش العقلاني. وعلى سبيل المثال، فإن التقارير التي تتحدث عن نقل الولايات المتحدة آلاف الأطنان من الأسلحة والمعدّات العسكرية إلى إسرائيل، ضمن عمليات لوجستية ضخمة جوًا وبحرًا، توفر مادة مثالية لإعادة تنشيط سرديات "الحصار" و "الاستهداف الخارجي" التي يعتمد عليها "حزب اللّه" في تعبئته السياسية والأيديولوجية.

لكن خطاب التخوين يشكّل إحدى أكثر الأدوات فعالية داخل هذه المنظومة المعلوماتية؛ إذ يجري تصوير الخصوم السياسيين بصورة متكرّرة كعملاء أو كتهديد داخليّ لـ "المقاومة". فحين يربط الاعتراض السياسي بالخيانة الوطنية، ترتفع الكلفة المعنوية والأمنية للمعارضة، ويصبح استهداف الخصم أمنيًا أكثر قابلية للتبرير.

وهذا ما نلاحظه حاليًا بالنسبة للحملة ضد الرئيس جوزاف عون، والتي تجلّت عبر طقوس إذلال بصري جرى تعميمها في الفضاء العام وعلى وسائل التواصل الاجتماعي. ومن أكثر الصور دلالة في هذا السياق، تلك التي علّقت للرئيس عون على طريق المطار تحت رمز مستوحى من العلم الإسرائيلي، ومرفقة بعبارة "شريك بدمائنا". إضافة إلى الأهمّية السياسية لموقع طريق المطار، الذي لطالما شكّل مجالا أيديولوجيًا مرتبطًا ببيئة "حزب اللّه" وسرديات "المقاومة".

غير أن استخدام عبارة "شريك بدمائنا"، هي صيغة تثبت اتهامًا مباشرًا بالمشاركة في العنف، وتنقل الخطاب إلى مستوى الإدانة الأخلاقية الحادّة. من هنا، تصبح غاية البنية البصرية للصورة تقديم الرئيس بوصفه وكيلا لإسرائيل. كما لا يمكن فصل هذا النوع من الرمزية الإلغائية عن التاريخ الطويل للعنف السياسي والترهيب لدى "حزب اللّه"، اللذين طبعا الحياة العامة خلال العقود الماضية. وحين تستخدم صورة تحمل هذا النوع من الدلالات، فإن الرسالة لا تقرأ بوصفها إساءة رمزية فحسب، بل أيضًا كحملة تجريد معنويّ قد تتجاوز أحيانًا حدود المجال الخطابي نفسه.

في المحصّلة، تكمن إحدى أبرز نتائج هذه الحرب المعلوماتية في قدرتها على وضع خصوم "حزب اللّه" باستمرار في موقع دفاعيّ، يستهلكون طاقتهم في محاولة نفي الاتهامات، أو إثبات وطنيتهم، أمام سرديّات صمّمت أساسًا لنزع الشرعية عنهم مسبقًا. فيصبح الانجرار الدائم إلى معارك التبرير جزءًا من نجاح الحرب الإدراكية التي جعلتهم أسرى أجندة "المقاومة". لذلك، قد لا يكون التحدّي الأساسي اليوم هو كسب كلّ سجال سياسيّ أو تفنيد كلّ خطاب تخوينيّ، بل استعادة المبادرة السياسية بعيدًا من منطق رد الفعل الدائم.

خاصة أن دراسات التواصل السياسي قد أظهرت أن تكرار الاتهام، حتى في سياق نفيه، يؤدّي إلى ترسيخه في الوعي العام. لذلك يستشهد بعبارة ريشارد نيكسون الشهيرة :"أنا لست محتالا" (I am not a crook) بوصفها مثالا كلاسيكيًا على الخطاب الدفاعي الذي يعيد إنتاج إطار الخصم. فمجرّد ردّ الرئيس عون بالقول: "ما نقوم به ليس خيانة"، واضطراره للدفاع عن وطنيته، عكس نجاحًا للحرب الإدراكية، لأن النقاش انتقل من السياسات إلى معركة حول الشرعية والهوية الوطنية ضمن إطار فرض مسبقًا.

بناء عليه، لا يتحقق الانتصار الحقيقي في مثل هذه المواجهات عبر دحض الرواية المضادة، بل عبر رفض البقاء أسيرًا لها.