36 سنة واللبنانيون ومعهم المجتمعين العربي والدولي يسمعون ويقرأون ويشاهدون الدولة العميقة في لبنان تتحدث عن شرعية "سلاح حزب الله" وينسبون ذلك زوراً وكذباً الى وثيقة الوفاق الوطني، وانه أي حزب الله غير مشمول بحل الميليشيات لان وثيقة الوفاق الوطني اعتبرت انه مقاومة وليس ميليشيا، في محاولة ممنهجة لإضفاء غطاء دستوري على واقع يناقض جوهر الدستور وروحيته.
ولأن النص أصدق إنباءً من كل الكلام والتسويق والتلاعب بالعقول والأذهان، عُدنا الى محاضر ونصوص المؤتمرات واللقاءات التي أدّت الى توقيع وثيقة الوفاق الوطني، لأن في العودة إلى النصوص الأصلية، لا إلى التأويلات السياسية، تُكشف الحقيقة التي لا لبس فيها:
في مؤتمر القمة العربي غير العادي الذي عقد في الدار البيضاء (ايار 1989) لحل الازمة اللبنانية نقرأ ما حرفيته "....مساندة الشرعية اللبنانية القائمة على الوفاق، وتعزيز جهود الدولة اللبنانية لانهاء الاحتلال الاسرائيلي وبسط سيادة الدولة اللبنانية وسلطتها الفعلية ومؤسستها المركزية على كافة التراب اللبناني،
وفي المؤتمر عينه وُلدت اللجنة العربية التي فُوّضت متابعة المقررات لحل الازمة اللبنانية والتي وضعت الاسس التي انتجت وثيقة الوفاق الوطني الذي عرف لاحقاً " بإتفاق الطائف".
ولاحقاً صدر بيان اللجنة الثلاثية العربية العليا الذي دعا الى وقف اطلاق النار فوراً في لبنان ودعوة النواب لمناقشة وثيقة الوفاق الوطني ونصت الفقرة الرابعة منه على " الطلب من جميع الفرقاء في لبنان التوقف الفوري عن استقدام السلاح بكل انواعه ومن اي جهة كانت.
أما وثيقة الوفاق الوطني (اتفاق الطائف)، التي اقرّت في 22 تشرين الاول 1989 فقد جاءت واضحة وحاسمة، إذ نصت المادة ثانياً منها تحت عنوان بسط سيادة الدولة اللبنانية على كامل الاراضي اللبنانية على ما حرفيته" 1- الاعلان عن حل جميع الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية وتسليم اسلحتها الى الدولة اللبنانية ... 3 – تعزيز القوات المسلحة: (أ) ان المهمة الاساسية للقوات المسلحة هي الدفاع عن الوطن وعند الضرورة حماية النظام .... (ج) يجري توحيد واعداد القوات المسلحة وتدريبها لتكون قادرة على تحمل مسؤولياتها الوطنية في مواجهة العدوان الاسرائيلي. اما المادة ثالثاً من الوثيقة ذاتها وعنوانها تحرير لبنان من العدوان الاسرائيلي واستعادة سلطة الدولة حتى الحدود اللبنانیة المعترف بها دولیاً أكّدت على العمل على تنفیذ القرار 425 وسائر قرارات مجلس الأمن الدولي القاضیة بإزالة الاحتلال الإسرائیلي إزالة شاملة، والتمسك باتفاقیة الهدنة الموقعة في 23 آذار 1949، واتخـاذ كافـة الإجـراءات اللازمـة لتحریـر جمیـع الأراضـي اللبنانیـة مـن الاحـتلال الإسـرائیلي وبسـط سـیادة الدولـة علـى جمیع أراضیها ونشر الجیش اللبناني في منطقة الحـدود اللبنانیـة المعتـرف بهـا دولیـاً والعمـل علـى تـدعیم وجـود قـوات الطوارئ الدولیة فـي الجنـوب اللبنـاني لتـأمین الانسـحاب الإسـرائیلي ولإتاحـة الفرصـة لعـودة الأمـن والاسـتقرار إلـى منطقـة الحدود.
وقد صدّق المجلس النيابي اللبناني في جلسته المنعقدة بتاريخ 5/11/1989، على هذه الوثيقة "وثيقة الوفاق الوطني" من دون أي تحفّظ،
وبتاريخ 21/9/1990 اقرّت هذه الاصلاحات ضمن تعديلات ادخلت على الدستور اللبناني بالقانون الدستوري رقم 18، ولم ينص اي بند او نص او عبارة فيها على وجود كلمة " مقاومة" كما يزعم خطأ وقصداً وبهدف التضليل كل محور الممانعة وحلفائه منذ العام 1991 ولغاية تاريخه.
هذا مع الاشارة الى ان مقدمة الدستور اللبناني قد كرّست بوضوح ودون أي التباس او تأوييل مبدأ حصرية السلطة وشرعيتها بيد القوى المسلحة اللبنانية دون غيرها إذ ورد في الفقرة (أ) منها ان لبنان وطن سيد حر مستقل، وطن نهائي لجميع ابنائه واحداً أرضاً وشعباً ومؤسسات ... وفي الفقرة (ب) اكد ان لبنان عضو مؤسس وعامل في جامعة الدول العربية وملتزم مواثيقها ... وان الدولة تجسد هذه المبادئ في جميع الحقول والمجالات دون استثناء، وخلص في الفقرة (ي) أن لا شرعية لأية سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك.
وأنتهي في القراءة الدستورية بالمادة 65 من الدستور التي اعطت الحكومة وحدها حق اعلان حالة الطوارئ واعلان حالة الحرب والسلم باكثرية ثلثي اعضاء الحكومة وذلك باعتبارها السلطة التنفيذية الشرعية الوحيدة.
إذاً، وفي قراءة دقيقة لنصوص الطائف نجد انها تخلو بالكامل من أي ذكر أو توصيف أو استثناء تحت مسمّى "المقاومة"، ما يجعل كل ما قيل لاحقاً مجرد مزاعم سياسية دعائية لا تمتّ إلى النص الدستوري بصلة.
وبالتالي، فإن أي سلاح خارج إطار الدولة، أيّاً تكن تسميته أو الجهة التي تحمله، يُشكّل انتهاكاً مباشراً للدستور، واعتداءً على سيادة الدولة، وخروجاً صريحاً عن الشرعية اللبنانية.
في الخلاصة، إن الوقائع الدستورية والقانونية لا تحتمل التأويل: كل تنظيم مسلح خارج إطار المؤسسات الشرعية اللبنانية، وفي مقدّمها حزب الله وسواه من القوى المسلحة، هو ميليشيا خارجة عن القانون.
وعليه، فإن استمرار هذا الواقع يُعدّ انقلاباً مستمراً على الدستور واغتصاباً لسلطة الدولة. من هنا، فإن الواجب الوطني والدستوري يفرض على الدولة اللبنانية، دون إبطاء أو تسويف، وللأمانة اتخذت الحكومة اللبنانية في 5 و 7 اب 2025 كما في 2 اذار 2026 قرارات حاسمة بحلّ هذه الميليشيات كافة، ومصادرة أسلحتها فوراً، وتبقى العبرة في التطبيق، لأنه وطبقاً للنص الدستوري، ولقرارات ومقررات الحكومة اللبنانية فإن الحقيقة الوحيدة هي إن كل من ينتمي الى منظمة حزب الله المصنفة خارجة عن القانون كما واي ميليشيا او منظمة أخرى تحمل سلاحاً او تمارس أعمالاً عسكرية و أو امنية على الاراضي اللبنانية او انطلاقاً منها ويشارك في نشاطها هو خارج عن القانون، تجب ملاحقته وتوقيفه وإحالته إلى القضاء المختص بجرائم تأليف جمعيات الأشرار، وانتهاك السيادة الوطنية والخيانة العظمى.