نايف عازار

مخاض الحكومة العراقية... الزيدي يسابق "شيطان التفاصيل"

4 دقائق للقراءة
الزيدي أمام تحدّ معقد (أ ف ب)

دخل الرئيس المكلّف تشكيل الحكومة العراقية علي الزيدي في سباق محموم مع الوقت، في محاولة لإخراج تشكيلته الحكومية إلى النور خلال المهلة الدستورية المحدّدة بـ 30 يومًا، بعد تكليفه من قبل رئيس الجمهورية نزار آميدي في 27 نيسان المنصرم.

إذا كانت العقبة الكبرى كمنت سابقًا في اتفاق "الإطار التنسيقي"، وهو الائتلاف الشيعي الحاكم، على اسم رئيس الحكومة، فإن "الشيطان" يكمن في تفاصيل توزيع الحصص الوزارية على الفرقاء السياسيين. هذا الأمر حدا بالزيدي للقيام بحراك ميداني شمل غالبية القوى السياسية، الكردية منها والعربية.

ينطلق الرئيس المكلّف في مخاض تشكيل حكومته من دعم داخلي من قوى وازنة، كما يستند إلى دعم خارجي تظهّر في الاتصال الهاتفي الذي ربطه بالرئيس الأميركي دونالد ترامب، والذي دعاه إلى زيارة واشنطن بعد تشكيل الحكومة. يعتبر المراقبون أن أي دعم إيجابي إقليمي أو دولي، هو بلا شك عامل مساعد للاستقرار ولإنجاح عملية تشكيل الحكومة، لكنهم يجزمون بأن القرار النهائي في شأن رسم أطر التشكيلة الحكومية ومعالمها يبقى شأنًا عراقيًا داخليًا بحتًا، ويستند إلى التفاهمات السياسية.

يأمل الزيدي أن يعبّد له الدعمان الداخلي والخارجي، الطريق لتشكيل الحكومة ضمن مهلة الـ 30 يومًا. بيد أن بعض المراقبين يجزمون بأن مهمة الزيدي، رغم الزخم السياسي الداخلي والدعم الخارجي، لن تكون مفروشة بالورود، بل تعتريها مطبات وتعقيدات جمة، بحكم أن التركيبة السياسية في "بلاد الرافدين" تنطلق أساسًا من توازنات ومعايير هشة، تتصل بالسلطة والثروات والنفوذ في مفاصل الدولة الرئيسية، حيث تكمن التحديات الحقيقية في التفاصيل.

إذا كانت جولات الزيدي في اتجاه القوى السياسية، تُعد تحصيلا حاصلا، وخطوة لا بد منها في سياق المسار السياسي الشائك والمتعرّج، فإن التحدي الأكبر لا يكمن في صورة اللقاءات وتنوعها، بل في مرحلة التفاوض الدقيق، المرتبط بتوزيع "قالب الجبنة" الحكومي على الأفرقاء السياسيين، وهي المرحلة التي غالبًا ما تصطدم بشهية "المستوزرين" المفتوحة، وبتباين مطالب الكتل، حيث تتداخل الحسابات الحزبية والطائفية.

أثبتت التجارب السياسية في تاريخ العراق الحديث، أن الاتفاق على العناوين العريضة، أسهل بكثير من الوصول إلى تفاهمات نهائية مرضية لجميع الفرقاء في شأن تقاسم الحقائب الوزارية، حتى في داخل البيت الشيعي الواحد، أي "الإطار التنسيقي"، الذي أخفق لأسابيع عدة في الاتفاق على اسم بديل لرئيس الحكومة الأسبق نوري المالكي، بعد رفع بطاقة أميركية حمراء في وجهه. كل ذلك يَشي بأن الأيام المقبلة ستشكّل فترة اختبار دقيق لقدرة القوى السياسية على تقديم تنازلات متبادلة، تؤدي في نهاية المطاف إلى وصول السفينة الحكومية إلى بر الأمان.

يقف نجاح مهمة الزيدي إذًا، على قدرته على إدارة التوازنات الدقيقة بين مختلف الأطياف السياسية، والخروج بصيغة حكومية توافقية في الحد الأدنى، تحظى بمقبولية غالبية الشرائح، وتجنب العراق "كأس" الدخول في أزمات سياسية لامتناهية، مع كل عملية تشكيل حكومة.

إلى أهمية العوامل الداخلية المؤثرة في إنجاز "الطبخة" الحكومية، يبقى للنفوذين الأميركي والإيراني داخل العراق، "حصة الأسد" أيضًا، في تقرير مصير التشكيلة الحكومية. وإذا كانت طهران مُنيت بخسارة جزئية، بخروج المالكي من المشهد الحكومي، إلا أن الزيدي نفسه لا يُعتبر أصلا بعيدًا من الفلك الإيراني، إنما يتمتع ربما بصفات براغماتية، تجعل التعاطي الأميركي معه أسهل من المالكي.

يبقى أن أبرز ما يهم الإدارة الأميركية راهنًا في العراق، هو تمكّن الحكومة العتيدة من ضبط إيقاع الفصائل المسلّحة الإيرانية الهوى، والسعي إلى نزع سلاحها وحصره في كنف الدولة، وإخراج "بلاد الرافدين" من أتون لعبة الساحات، التي أجاد نظام الملالي التحكّم بمفاصلها لسنوات خلت.