كثرت التكهنات والأقاويل في الآونة الأخيرة حول الانقسامات القائمة داخل إيران، بين ما يُوصَف بالتيار المتشدّد و»الحرس الثوري» من جهة، وبين من يدفعون نحو الدبلوماسية والتفاوض من جهة أخرى.هذه الروايات التي تناولتها صحف عالمية وأخرى إيرانية معارضة، بقيت لفترة طويلة في إطار التسريبات والتقديرات، خصوصًا أن رواية النظام الإيراني هي الوحيدة التي تطغى على المشهد، في ظلّ واقع بات معروفًا، حيث يُواجَه أي صوت معارض بالقمع الممنهج والإعدامات والترهيب، بل إن النظام الإيراني وحلفاءه سارعوا مرارًا إلى نفي كل ما يُثار عن وجود تصدّعات داخلية، معتبرين أن الحديث عن الانقسام ليس سوى جزء من الحرب الإعلامية والسياسية ضدّ طهران.لكن، ومع متابعة التسريبات والتطورات الأخيرة، يبدو أن فرضية الانقسام لم تعد مجرّد تكهنات، فثمة وقائع متتالية بدأت ترسم صورة مختلفة عمّا يحاول النظام إظهاره. البداية كانت مع تصريح الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان الذي قدّم اعتذارًا للدول العربية عن الهجمات التي استهدفتها، متعهّدًا بعدم استئنافها ما لم تعاود الولايات المتحدة ضرباتها انطلاقًا من الخليج. غير أن ساعات قليلة فقط فصلت بين هذا الاعتذار وبين إطلاق «الحرس الثوري» سلسلة هجمات بالصواريخ والمسيّرات، في مشهد بدا فيه وكأن الرئيس الإيراني في وادٍ، و»الحرس الثوري» في وادٍ آخر، بما عكس تباينًا واضحًا في القرار السياسي والعسكري.صحيح أن واقعة واحدة لا تكفي للحكم بوجود انقسام عميق، إلا أن الوقائع اللاحقة عززت هذه الفرضية. فقد رأت الإدارة الأميركية في المفاوضات التي كان يقودها رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، شخصية قادرة على قيادة إيران، بحسب تقرير لصحيفة «بوليتيكو». ولاحقًا، كشفت تسريبات جديدة أن قاليباف وصف، خلال اجتماع خاص، شخصيات متشدّدة بأنها عناصر شبيهة بالميليشيات قد تدمّر إيران، متهمًا إياها باستغلال التلفزيون الرسمي وتحشيد القاعدة المتشدّدة. ورغم نفي هذه المعلومات، عادت تقارير أخرى لتتحدّث عن استقالته من الوفد المفاوض، بعدما وُبِّخ بسبب محاولته إدراج الملف النووي ضمن محاور التفاوض مع أميركا. طهران نفت كذلك هذه الرواية، لكن غياب أي جولة تفاوض جديدة في باكستان حتى الآن، أبقى علامات الاستفهام قائمة. ولم تتوقف التسريبات عند هذا الحدّ، بل طالت أيضًا وزير الخارجية عباس عراقجي، حيث تحدّثت تقارير عن توترات بينه وبين كل من بزشكيان وقاليباف، وسط مساع لإقالته بسبب خلافات مرتبطة بإدارة الملفات الخارجية والنووية، ولا سيّما ما يتصل بمضيق هرمز.وسط كل هذه المعطيات، جاء تصريح بزشكيان الأخير ليكرّس للمرّة الأولى ما كان يقال في الكواليس، حين أقرّ بوجود تباينات داخلية، داعيًا إلى عدم الانقسام. تصريح بدا وكأنه اعتراف ضمني بأن الصراع داخل النظام الإيراني لم يعد قابلا للإخفاء، وبأن ما كان يُقدّم سابقًا على أنه دعاية خارجية تحوّل اليوم إلى واقع تفرضه الوقائع والتسريبات والتناقضات العلنية. وهو ما يفسّر أيضًا تكرار الرئيس الأميركي القول إنه لا يعلم مع من يتفاوض داخل إيران، معتبرًا أن القرار الإيراني بات مشرذمًا ومتعدّد المراكز. من هنا، قد يكون أخطر ما تواجهه إيران اليوم ليس الضغط الخارجي ولا العقوبات ولا حتى التهديدات العسكرية، بل اهتزاز التماسك الداخلي للنظام نفسه. فعندما تبدأ التناقضات بالخروج من الغرف المغلقة إلى العلن، وعندما تصبح التسريبات أقوى من بيانات النفي الرسمية، فهذا يعني أن الصراع داخل السلطة لم يعد مجرّد اختلاف في وجهات النظر، بل تحوّل إلى أزمة ثقة داخل بنية الحكم. أزمة قد تحاول طهران احتواءها إعلاميًا وسياسيًا، لكنها تبدو مرشحة للتفاقم كلّما اقتربت لحظة اتخاذ القرارات الحاسمة.