سبق للكاتب أن عالج موضوع مضيق هرمز في قراءتين منشورتين في نداء الوطن بعنوان "رأي قانوني وأسئلة وأجوبة حول مضيق هرمز" و"مضيق هرمز في ظل التوترات الاميركية-الإيرانية: عندما يُجبَر القانون الدولي على الصمود"، أما هنا فيعالج موضوع مضيق باب المندب الذي يتشابه مع هرمز في نقاط عديدة أهمها خضوعهما الى نظام المرور العابر، ولكن له إشكالية خاصة تطرح تساؤلات عديدة على مستوى القانون الدولي.
1- ما هي درجة أهمية مضيق باب المندب؟
يشكّل مضيق باب المندب أحد أهم المضائق الدولية، إذ يربط بين البحر الأحمر، خليج عدن والمحيط الهندي، ويمثّل حلقة أساسية في طريق التجارة العالمية عبر قناة السويس. يعني عمليًا في حال إغلاقه، يكون البديل الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، بما معناه أسابيع إضافية من السفر وكلفة باهظة. ومع تصاعد النزاعات في اليمن والبحر الأحمر (2025–2026)، عاد هذا المضيق إلى صدارة النقاش القانوني الدولي. الدول المشاطئة له هي اليمن، جيبوتي وإريتريا (بشكل غير مباشر).
2- لأي نظام مرور يخضع مضيق باب المندب؟
يُصنّف مضيق باب المندب كمضيق مستخدم للملاحة الدولية لأنه يربط بين منطقتين من أعالي البحار-المناطق الاقتصادية الخالصة، ويُستخدم بكثافة من الملاحة الدولية، وبالتالي يخضع لأحكام الجزء الثالث من إتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار 1982 (أي المواد 37–44 منها). على مثال مضيق هرمز، يخضع مضيق باب المندب لنظام المرور العابر Transit Passage، وهذا يعني بحسب القواعد الدولية على أن جميع السفن والطائرات تتمتع بحق المرور العابر عبر المضائق الدولية ولا يجوز للدول المشاطئة عرقلة هذا المرور. وهذا حق قانوني شامل يشمل السفن التجارية والحربية والطائرات، ويتمتع بخصائص المرور غير القابل للتعليق والذي لا يحتاج إذنًا مسبقًا ويكون مستمرًا وسريعًا.
3- ما هي آثار النزاعات المسلحة الحالية (2025-2026) على وضعية المضيق المذكور؟
تشير الوقائع الحديثة الى تطورات عديدة تجسدت بتهديدات بإغلاق المضيق وإستهداف سفن في البحر الأحمر، كما لصعود دور الجماعات المسلحة كالحوثيين مثلًا. وقد طُرحت تهديدات مباشرة بإغلاق المضيق في سياق الحرب الإقليمية. على المستوى القانوني ووفق القانون الدولي، إن إغلاق المضيق أو تعطيل الملاحة يخالف مضمون إتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار 1982 وينتهك بالتالي حرية الملاحة ويضر بدول ثالثة، وهذا يُعتبر فعلًا غير مشروع دوليًا (Internationally Wrongful Act). بالنسبة للعلاقة بين قانون البحار وقانون النزاعات المسلحة، يستمر تطبيق نظام المرور العابر في الحرب، ولا يُعلّق نظام المرور العابر حتى في النزاعات المسلحة، بل يتكامل مع قانون النزاعات المسلحة البحرية، ويفترض بالتالي نظام المرور استمرار الملاحة دون إنقطاع حتى في مناطق النزاع. أما بالنسبة للقيود الممكنة في النزاعات المسلحة، يجوز بشروط معينة تفتيش السفن وفرض إجراءات أمنية وإستهداف أهداف عسكرية (تطبق قواعد دليل سان ريمو 1994)، ولكن لا يجوز إغلاق المضيق بالكامل وإستهداف الملاحة المدنية عشوائيًا.
4- ما هي الإشكالية الخاصة بباب المندب؟
مشكلة باب المندب ليست فقط قانونية، بل مشكلة ذات طابع هيكلي، وبالمقارنة مع مضيق هرمز، نلحظ أن السيطرة فيه هو لدولة ساحلية قوية كإيران، بينما في باب المندب تكون السيطرة غير مركزية بواسطة دول وجماعات مسلحة (كالحوثيين مثلًا)، ففي الاول يتخذ النزاع الصورة الدولية المباشرة بينما في الثاني يكون النزاع غير دولتي ذات طبيعة هجينة، من هنا يكون الإستقرار القانوني أضعف نسبيًا في باب المندب من مضيق هرمز. وتكمن الإشكالية القانونية بالتحديد في أنه في باب المندب على عكس هرمز، غالبًا ما تأتي التهديدات من جماعات مسلحة كالحوثيين، وهذا ما لا يعالجه القانون الدولي التقليدي بوضوح، فيخلق بالتالي فراغًا قانونيًا ويُسأل بالسؤال المباشر اذًا من المسؤول عن خرق حرية الملاحة؟ في محاولة للإجابة على السؤال، يمكن توصيف الوضع الحالي بأنه Hybrid Maritime Conflict يجمع بين الحرب والإرهاب البحري والضغط الجيوسياسي، فبدايةً إذا ثبت دعم أي دولة لعمليات تعطيل الملاحة، بإختصار تتحمل هذه الدولة المسؤولية الدولية. أما بالنسبة لمسؤولية الجماعات المسلحة ورغم غياب الشخصية القانونية الكاملة لها، يمكن تحميلها المسؤولية بموجب القانون الدولي الإنساني، فتندرج برأينا أفعالها ضمن القرصنة والإرهاب البحري.
5- بالسؤال المباشر والمختصر، هل يمكن قانونيًا إغلاق مضيق باب المندب؟
أيضًا بالجواب المباشر، تشير القاعدة العامة الى أنه لا يجوز إغلاق مضيق باب المندب لأنه مضيق دولي يخضع لنظام المرور العابر وهو غير قابل للتعليق وملزم عرفيًا، وحتى في الحرب لا يجوز تعطيل الملاحة العالمية ويجب بالتالي إحترام حقوق الدول المحايدة، فيكون الإغلاق الشامل غير مشروع. أما النزاعات الحالية، فهي لا تلغي القانون ولكنها تضعف تطبيقه، وكخلاصة، يكشف مضيق باب المندب تطورًا خطيرًا في القانون الدولي لسبب ظاهر وهو أنه لم يعد التحدي فقط في مخالفة القواعد، بل في تفكك الفاعلين القادرين على تطبيقها، وهنا يكمن الفرق الجوهري مع مضيق هرمز لأنه في باب المندب لا يأتي الخطر فقط من الدولة، بل من غياب الدولة.
محـام جنائي دولي وأستاذ جامعي