سيلين لوساتو

أبناء "الربيع العربي"... الحلم مستمرّ

20 كانون الثاني 2021

المصدر: L'OBS

02 : 01

zfese
بعد عشر سنوات على انتفاضات "الربيع العربي" التي ترافقت مع تظاهرات حاشدة للمطالبة بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، ما هي أحلام الشباب في الدول التي شهدت تلك الأحداث؟ هل يحملون الرأي نفسه عن تلك الثورة المجهضة أم يشعرون بالخيبة نفسها تجاه تلك الحركة التاريخية التي بدت واعدة جداً قبل أن تندلع حروب مريعة في أماكن مثل سوريا واليمن وليبيا؟ في نهاية المطاف، لا تزال الديمقراطية غائبة في مصر وفوضوية في المغرب ولبنان. كذلك، اختنقت الديمقراطية في الجزائر بعدما طرد الحراك الشعبي عبد العزيز بوتفليقة من قصر المرادية. وحتى الديمقراطية الناشئة في تونس باتت في وضع سيئ. ثلث السكان في هذه الدول اليوم تقِلّ اعمارهم عن 15 سنة، وثلثاهم تحت عمر الثلاثين. لا يعرف عدد كبير من هؤلاء الشبان وضع العالم قبل العام 2011، لكنهم يتكلمون في ما يلي عن مخاوفهم وخيباتهم وآمالهم...

كانت تونس البلد الوحيد الذي نجح في بناء مشروع ديمقراطي بعد ثورة العام 2011، لكنها تمرّ اليوم بوضعٍ محفوف بالمخاطر. في ظل توسّع الشكوك السياسية وتكثيف الاعتداءات الإسلامية العنيفة واحتدام صراع الهويات بين الليبراليين والمحافظين، لا يكف البلد عن الغرق في الركود الاقتصادي. تبدو الثورة اليوم مؤجّلة أكثر من أي وقت مضى. لكن ترفض الشابة التونسية نور أن تخلط بين تونس المعاصرة وتونس الماضية. تبلغ هذه الطالبة 19 عاماً وتدرك جيداً طبيعة المشاكل الراهنة وتتمسك بأفضل ميزة قدّمتها الثورة فتقول: "الحرية مضمونة من الآن فصاعداً".

استوحت نور هذه الأفكار من الشبان الأكبر سناً منها. إنه الشعار الذي يرفعه لؤي (23 عاماً) وعبد القادر (24 عاماً) وأحمد (23 عاماً)، وهم مؤسسو المنصة التي تعرف قيمة الثقافة السرية لمدينة تونس، أو ما يُعرَف باسم "المشروع 1008" (الرمز البريدي للحي الذي يقيمون فيه). يقول لؤي: "حافظت ثورة العام 2011 على الوعد المرتبط بحرية التعبير. لا يملك الشبان شيئاً، لا ملعب كرة سلة للتدرب فيه، ولا وظائف مناسبة حتى لحاملي الشهادات الجامعية. هم لا يواجهون إلا رجال الشرطة الفاسدين. لكن يعجّ حيّنا بمهارات مدهشة ونحن نسلّط الضوء على عملهم وإبداعهم". لؤي ليس فناناً، بل درس هذا الشاب المقيم في حي شعبي من المدينة القديمة اللغة الإنكليزية ولم يحقق شيئاً في المرحلة اللاحقة، لذا قرر أن يكرّس نفسه لشغفه الحقيقي: الطبخ. هو يأمل في فتح مطعم خاص به في بلده.




أحمد



نور


مختار


عبد القادر



ليليا


لؤي



في الجزائر، حيث نزل الشبان إلى الشارع أسبوعياً بين شباط 2019 وشباط 2020، لم يكن تجدّد الحُكم الاستبدادي كافياً لمحو الآمال بالتغيير. تقول ليليا (22 عاماً)، طالبة في مجال المحاسبة في وهران: "منذ ولادتي، لم أشاهد أي تغيير في الأسماء السياسية. لا أرى إلا الوجوه نفسها. تلك الديناصورات يجب أن تقبع في المتحف. إذا كان الشارع لم يسمح بتغيير النظام في تلك المرة، لا مفر من أن يغيّره في المرة المقبلة".

على الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط، اندلعت ثورة أخرى وجدّدت الآمال بحصول تغيير حقيقي. يقول الشاب اللبناني جان كلود (28 عاماً): "سأكذب إذا قلتُ إن الوضع تحسّن بعد أشهر من التظاهرات ثم أشهر أخرى من الشلل العام بسبب تفشي فيروس "كوفيد-19". بل إن الوضع بات أسوأ على الأرجح. تدمرت بيروت بفعل انفجار 4 آب ولا تبالي حكومتنا بالشعب صراحةً. حتى أننا لم نعد نجد الأدوية في الصيدليات... لكننا ما عدنا نخاف من شيء الآن على الأقل: لم يعد لدينا ما نخسره". بعد دراسة اختصاص الاتصال السمعي البصري، أنشأ جان كلود موقعاً إلكترونياً اسمه "فورة": "لقد تحررت الآراء بكل وضوح. من الآن فصاعداً، يستطيع أيٌّ كان أن يتهم الحكومة بالفساد أو أن يكسر المحرمات عبر التكلم عن "حزب الله". لم يعد الشبان لامبالين. بل إن 50% منهم يريدون البقاء ومتابعة النضال".

يعني ذلك أن 50% من الشباب يفضّل الرحيل. أصبحت الهجرة هوساً حقيقياً بالنسبة إلى شريحة واسعة من الشبان في هذه الدولة حيث يُعتبر الوضع الاقتصادي كارثياً. وفق معطيات البنك الدولي، تبلغ نسبة الشباب العاطل عن العمل في دول المغرب العربي والشرق الأوسط 27%، وهي نسبة تفوق المعدلات المسجلة في جميع المناطق الأخرى. ويشعر تسعة أشخاص من كل عشرة (87%) بالقلق على مستقبلهم المهني. هذا الوضع يدفعهم إلى التوجه نحو دولٍ تحمل لهم فرصاً أفضل كما يظنون. وفق أحدث تقرير صادر عن "الباروميتر العربي" الذي يديره خبراء من جامعة "برينستون"، يريد أكثر من نصف الشبان بين عمر 18 و29 سنة في الجزائر ومصر والأردن والمغرب والسودان وتونس مغادرة بلدانهم.

في المغرب، تبدو المكاسب التي حققتها حركة 20 شباط في أعقاب الثورة التونسية بلا أهمية. بقيت التحركات التي انطلقت منذ عشر سنوات معتدلة وقد تعامل معها الملك محمد السادس بسرعة وبراعة وبما يتماشى مع طموحات الشعب، فأقرّ تعديلاً دستورياً. لكنّ هذه التعديلات لم تُحسّن مصير الشعوب في المناطق الهامشية حيث تتكرر الاحتجاجات من وقتٍ لآخر. في المدن الكبرى، يتعلّق البعض بالتقدم الحاصل رغم بساطته. يقول الشاب سفيان (28 عاماً)، وهو مؤسس جمعية تُعنى بنشر مبدأ التعددية وتنوع الميول الجنسية في الرباط: "منذ عشر سنوات، كنت أرغب في مغادرة المغرب. لكنّ حركة 20 شباط أعادت لي الأمل".

يضيف سفيان: "لقد اعتادوا على تجاهل الشباب مع أنه يشكّل أكبر شريحة من المجتمع. من واجبنا نحن أن نعالج المسائل الأساسية: مكافحة الظلم الاجتماعي، النضال في سبيل المساواة بين الجنسين، حماية الحريات الفردية... الدستور المغربي يحمي هذه الحقوق كلها". يفضّل سفيان تجاهل الإهانات الموجّهة ضده من مجهولين يكرهون المثليين فيقول: "إذا قررنا الاستسلام، سيستفيد الإسلاميون مجدداً من صمتنا. منذ عشر سنوات، كان النضال من أجل المساواة بين الجنسَين من المحرمات. أما اليوم، فهو جزء من المطالب العادية".

حتى في مصر حيث استهدفت الثورة السلطة الاستبدادية قبل أن تنشأ ثورة مضادة، تتوحد الأصوات للتعبير عن آراء الناس. تقول سارة أيمن رجب، فنانة تشكيلية عمرها 24 سنة تقيم في القاهرة: "وُلِد مشروعي من رحم الكلمات البذيئة التي أسمعها طوال الوقت في الشارع". منذ بضعة أشهر، بدأت رجب تبتكر أعمالاً فنية عبر استعمال ملابسها الخاصة لتجسيد الكلام البذيء الذي تتحمّله ما إن تخرج من منزلها. تقول هذه الشابة المحجبة ودائمة الابتسام: "يظن الناس أن المرأة التي ترتدي ثوباً طويلاً وتضع الحجاب على رأسها لن تتعرض للمضايقات. لكنه رأي خاطئ. أنا شخصياً أتعرض للتحرش رغم مظهري المحتشم. حتى أن مجموعة من الفتيان تحرشوا بي حديثاً حين كنت أتسوق. إنه وضع مشين. أريد تسليط الضوء على هذا الموضوع عبر أعمالي الفنية".

تعليقاً على الموضوع نفسه، تقول الشابة التونسية السمراء نور: "تتحمل المرأة في مجتمعاتنا العربية أعباءً ثقيلة جداً". اختارتها جمعية "شارع الفن" في السنة الماضية للمشاركة في ورشة كتابة، وقد خصصت هذه الطالبة الحساسة التي تحمل صوتاً طفولياً جزءاً كبيراً من كتاباتها للتعبير عن أصوات النساء في المجتمع والتطرق إلى أعباء الدين والتقاليد. تعتبر نور "الدين عائقاً أمام الحرية، لذا من الضروري أن نفصل الحياة العامة عن الدين". يؤكد 86% من المشاركين في دراسة أجراها "المركز العربي للأبحاث والدراسات السياسية" في الدوحة على أنهم متدينون، لكن يجرؤ 12% آخرون على اعتبار أنفسهم "غير متدينين" أو حتى "غير مؤمنين". والأهم من ذلك هو أن 71% منهم يعارضون استغلال الدين من جانب الحكّام.

في لبنان، لم يكن الشبان الذين نزلوا إلى الشارع قبل الإقفال التام الذي فرضه فيروس كورونا يحتجون على فساد الطبقة السياسية المتحجرة فحسب، بل إنهم ثاروا أيضاً ضد النظام الطائفي الذي يعتبرونه بالياً. تقول غلوريا التي شاركت في عدد كبير من التظاهرات في بيروت: "لقد سقطت محرمات كثيرة بفضل ذلك التحرك. تتميز تلك الاحتجاجات بمشاركة متظاهرين من جميع الأطياف". يضيف جان كلود بنبرة تفاؤلية: "تتحقق انتصارات مهمة حتى الآن. احتل النادي العلماني المراتب الأولى في عدد كبير من الانتخابات الجامعية في شهر كانون الأول الماضي على حساب التكتلات الطائفية".

من يستطيع اعتبار ثورات "الربيع العربي" غير مجدية إذاً؟ في الربيع الماضي، قال الكاتب المصري القدير علاء الأسواني الذي يعيش في المنفى من الآن فصاعداً: "كل حركة ثورية تطلق شكلاً معيناً من التغيير. نحن نقف على الجانب الإيجابي من التاريخ. في العام 2011، أشارت تقديرات قناة "سي إن إن" إلى مشاركة بين 10 و20 مليون شخص في تظاهرات مصر. يعتقل النظام بين 60 و100 ألف شخص منهم داخل السجون. لكنّ جميع المشاركين الآخرين لا يزالون أحراراً ويتمسكون بحلمهم. هم لن ينسوا مطلقاً ذلك الشعور بالحرية. لكن يدرك الدكتاتور الذي يحكم البلد هذا الواقع ويتصرف على هذا الأساس".


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.