عند خطوط النار، يواصل الجيش الأبيض مهامه منذ ثلاثة أشهر، حيث يقوم الممرضون والممرضات بواجباتهم الإنسانية دون توقف. يواجهون كل ضغوطات الحرب، ويتحدّون الخطر، ليقدّموا العلاج للجرحى والمصابين. بين أروقة مستشفى النجدة الشعبية، يتنقّل الممرضون، يراقبون تفاصيل الأحداث اليومية، يقفون عند منعطف الخطر، ولا يتراجعون.
ترسم معالم وجوههم حكايةً من نوع آخر، خلف ضحكاتهم غصّة وألم، تركوا عائلاتهم ليقفوا إلى جانب أهلهم.
يصفون هذه الحرب بأنها "الأصعب"، ومع ذلك يواصلون رحلة خياطة جراح الناس، لرسم معالم الفرح، وفق ما تقول مسؤولة قسم التمريض في مستشفى النجدة الشعبية، سارة سلوم، الأم والممرضة في آن. لم تحتفل سلوم مع طاقمها التمريضي بعيد الممرض العالمي، فالحرب حالت دون ذلك، إذ كانوا جميعًا يعالجون جرحى الاستهدافات.
"مشاهد مؤلمة نواجهها يوميًا"، تقول سلوم، مضيفةً: "أكثر ما آلمتني في هذه الحرب مشاهد الأطفال الذين خسروا أهلهم، أو وجود حالات عجزنا عن إنقاذها".
كخلية نحل يتحرّك الممرضون هنا، يعاينون المرضى والجرحى والأطفال، يبلسمون جراحهم، فهم، كما قالت الممرضة وعد شيت، "ملائكة الرحمة، نزرع الفرح ولو من خلف الوجع".
في غرفة الطوارئ، تراقب شيت تطورات الأوضاع: "منذ ثلاثة أشهر وأنا بعيدة عن أهلي، أطمئن عنهم عبر الهاتف. يخافون عليّ كثيرًا، فنحن في قلب الخطر، وقد طال القصف المدفعي محيط المستشفى".
وتشير شيت إلى أنها "لم تحتفل بعيد الممرض كما كل عام، لكننا نقدّم رسائل إنسانية في عملنا، هذه مهمتنا ولن نتركها".
في قلب كل ممرض وممرضة قصة وحكاية. يتحدّث الممرض عيسى درويش، مسؤول قسم العناية، عن "لحظات قاسية عشتها، حين رأينا الأطفال أشلاء وجرحى. هذه المشاهد لا تفارق خيالنا، ولكننا نعمل بإنسانية لأننا خط المواجهة الطبي الأول".
لا يُخفي أحد أن ضغوطًا نفسية ترافق يومياتهم، فهم يواجهون واقعًا لا يُحسدون عليه. تقول سلوم إن "هذه المشاهد شكّلت العبء النفسي الأكبر على الممرضين والممرضات، الذين وجدوا أنفسهم أمام مآسٍ تفوق قدرتهم المهنية والإنسانية".
وتضيف أن هذه الحرب ليست الأولى التي تمرّ على المستشفى، لكنها الثانية في حياتها المهنية، وهي تخوضها كأم لطفلتين، ما يضاعف المسؤولية والقلق. فبين واجبها تجاه المرضى والمؤسسة، تحاول الحفاظ على دورها كأم، في وقت يعمل فيه هي ووالد طفلتيها داخل المستشفى نفسه.
وترى سلوم أن دور الممرض في الحرب يتجاوز تقديم العلاج الطبي، ليشمل الوقوف إلى جانب المريض نفسيًا وإنسانيًا، رغم شعور الخطر الدائم مع كل غارة. وتشير إلى أن الطاقم الطبي يحاول خلق حالة من التماسك الداخلي، أشبه بعائلة واحدة، لتخفيف الضغط النفسي عن بعضهم البعض والاستمرار في العمل.
وتلفت إلى أن العديد من الممرضات لعبن دور الأم البديلة للأطفال الجرحى، حاملات إياهم، ومحاولات تأمين الحد الأدنى من الطمأنينة في ظروف لا تشبه الحياة الطبيعية. كما تشير إلى أن بعض المرضى كانوا يغادرون المستشفى بعد تلقي العلاج ليعودوا إلى منازل مهددة بالقصف من جديد، ما يضاعف الشعور بالعجز.
وفي حديثها عن الأمومة، تؤكد سلوم أنها تحاول تأمين الاستقرار النفسي لطفلتيها، رغم إدراكهما لطبيعة المهنة الإنسانية التي يمارسها والداهما، وضرورة الوقوف إلى جانب المجتمع في هذه الظروف الصعبة.
وخلف كل هذا الواقع، يحاول ممرضو النجدة رسم معادلة فرح مختلفة، وتجسيد حكاية إنسانية وتحدٍّ مهني غير مسبوق. ورغم حرمانهم من الاحتفال بعيدهم، يرون أن مواصلة مهامهم هي أكبر عيد.