لم تكن حرب السنتين مجرد صاعقة سقطت من سماء صافية على لبنان، بل كانت الثمرة المُرّة لمسار طويل من الإنكار السياسي، والتسويات الهشّة التي بُنيت فوق رمال متحركة. كان لبنان حينها يعيش "مخاض الانهيار" تحت وطأة التردد في مواجهة الحقائق، والمساومة على سيادة الوطن مقابل فتات المناصب. وربما كان العميد ريمون إده هو الصوت الأكثر استشرافاً لهذا السقوط؛ إذ بدا في أواخر الستينيات كأنه يصرخ في ردهات نظامٍ أصيب بصممٍ اختياري، نظامٍ سكر بـ "خمرة السلطة" وعميت بصيرته بدخان المباخر، حتى لم يعد يرى سوى انعكاس مصالحه الضيقة.
في جلسة المجلس النيابي بتاريخ 6 كانون الأول 1969 برئاسة صبري حماده، والتي كانت مخصصة لمنح الثقة لحكومة الرئيس رشيد كرامي والتي اعتمدت "إتفاقية القاهرة" في بيانها الوزاري القى العميد ريمون اده خطابا ناريا وضع فيه الاصبع على جرح الوطن. كان المشهد اللبناني يتكثف بكل تناقضاته الدرامية. كانت البلاد تترنح تحت وطأة "اتفاق القاهرة" الذي وُلد في عتمة الغرف المغلقة، بينما كان الانقسام حول السلاح الفلسطيني يتغلغل في نسيج المجتمع والدولة. في تلك الأجواء، وقف العميد ريمون إده كمن يقرأ "كتاب الغيب" السياسي، محذراً من أن لبنان ينزلق نحو الهاوية، في وقت كانت فيه الطبقة السياسية غارقة في هندسة "مسكنات" مؤقتة بدلاً من اجتراح الحلول الجذرية.
قال العميد إده: إن الدستور أعطى النائب الحصانة ليتكلم حسب وجدانه وضميره. قد أكون غلطانًا وقد لا أكون. أنا أقول ما يخطر في ضميري... إنتبهوا لإسرائيل، كانوا يقولون لي ليس هناك خطر...كلنا نعرف، أن الخطر الإسرائيلي يصل إلى الليطاني. كلنا نعرف إذا كنا درسنا، وإذا كنا اطلعنا وإذا كنا نقرأ الصحف أن إسرائيل منذ 1919، تريد مياه الليطاني. إذًا، الخطر على قرى الجنوب المجاورة للأرض المحتلة....أنا ضميري يخوفني، أنا قلق على المستقبل، قلق من أن يطير لبنان الجنوبي.. غدا سيأتينا لاجئون لبنانيون. ما هي الاحتياطات التي اتخذتها حكومة رشيد كرامي؟ لا شيء. غدًا إذا صار ما صار وجاءنا خمسون ألفًا من الجنوب أين ستضعونهم؟ من سيطعمهم؟ نحارب إسرائيل؟ أمس دخلت إسرائيل عيترون، ماذا فعلتم لتحاربوا؟ لا شيء .تريد إسرائيل بكل معنى الكلمة أن تهدم مطار بيروت ومرفأ بيروت لكي يتحسن مطار إسرائيل ومرفأ حيفا...توجد هناك "إتفاقية القاهرة" التي ستسبب لنا مشاكل داخلية وخارجية. الأكثرية ترى غير هذا الرأي، فليكن، أنا لا أوافق وأصوّت ضد"
خلال الجلسة، رمى الوزير جوزف أبو خاطر بعبارة كانت بمثابة صك اعتراف بالهزيمة، قائلاً: «إن هذا البلد يواجه مصيره المحتوم.. وقوانا محدودة جداً يا معالي العميد، هي ستة آلاف وخمسمئة جندي فقط...». لم يكن هذا التصريح مجرد توصيف عسكري، بل كان تعبيراً عن "سياسة الاستقالة من المسؤولية". لقد تعمدت السلطة حينها "توهين" الجيش وتصويره بمظهر العاجز، تملقاً للضغط العربي وخطبًا لودّ الشارع المؤيد للثورة الفلسطينية، طمعاً في كراسي بعبدا في انتخابات 1970.
لم يكن اعتراض العميد على تفصيل تقني، بل كان اعتراضاً على "منهجية الدفن الجماعي للأزمات"؛ كان يرفض تحويل لبنان إلى غابة من الضباب حيث تضيع الحقائق وتُباع السيادة في سوق المزايدات.
وعندما تصادم مع الوزير عثمان الدنا، صوّب إده السهم نحو لبّ المشكلة: المصداقية. قال بحدة: «أنا طالما أن البيان رسمي ولم يكذبه أحد، مضطر أن آخذ بكل شيء فيه... أنت لا تتجاسر أن تكذب البيان!». كان هذا السجال يمثل الصدام الكبير بين رؤيتين:
رؤية إده: التي ترى أن قيام الدولة يبدأ من الحقيقة العارية، ووحدانية السلاح، وتحمل مسؤولية القرار الوطني.
رؤية المنظومة: التي تقوم على "الرمادية السياسية"، وترحيل الأزمات، والرهان على أن الوقت كفيل بحلها.
من "القاهرة" إلى "مار مخايل": المتاهة التي لا تنتهي
إن فهم جذور حرب السنتين لا يبدأ من "بوسطة عين الرمانة"، بل من اللحظة التي أصبحت فيها هيبة الدولة "وجهة نظر"، والسلاح خارج المؤسسات "بنداً قابلاً للتفاوض". كان ريمون إده يدرك أن الدولة التي تتنازل عن سيادتها بالتقسيط، ستفقد كيانها بالجملة.
ويا لسخرية القدر ومرارة التاريخ؛ إذ دارت الأيام لتنتج العقلية السلطوية نفسها اتفاقياتٍ جديدة بأسماء مختلفة. فالعقلية التي وقعت «اتفاق القاهرة» عام 1969، هي ذاتها التي أنتجت تفاهمات لاحقة؛ بدءاً من النهج الذي أرساه إميل لحود لحماية سلاح حزب الله بعد تطبيق الطائف، وصولاً إلى تأمين غطاء سياسي شامل لهذا السلاح عبر توقيع «تفاهم قاعة كنيسة مار مخايل». تلك المسارات التي استمرت في شرعنة السلاح الموازي على حساب الدولة والجيش، جعلت رحى الموت والدمار تدور من جديد، ليبقى لبنان أسيراً في متاهة دموية لا تنتهي.
اليوم، ونحن نستعيد تلك المحاضر البرلمانية، نكتشف أننا لا نقرأ تاريخاً مضى، بل نقرأ "كتالوج" صناعة الكوارث الوطنية. فالصمت عن الخطأ هو خطيئة، والرهان على "تأجيل الانفجار" هو في الحقيقة "تضخيم" له. لقد أثبت التاريخ اللبناني، بدمائه ودماره، حقيقة واحدة صرخ بها ريمون إده يوماً ولم يسمعوه: «إن الأزمات التي تخافون مواجهتها اليوم، ستعود لتبحث عنكم غداً على شكل حروب».