منذ الأيام الأولى للتصعيد العسكري على الجبهة الجنوبية، عاد إلى أذهان اللبنانيين مشهد بدا وكأنه من صفحات الحرب القديمة: قوات إسرائيلية تتجاوز الحدود التقليدية للاشتباك، وتعبر الليطاني، وتدخل إلى قرى في العمق الجنوبي مثل زوطر وغيرها، والكلام عن احتلال قلعة الشقيف، المطلة على منطقة النبطية ومرجعيون، وذلك في مشهد أعاد طرح السؤال الذي يرافق لبنان منذ عقود: هل نحن أمام تكرار لتجربة الاجتياحات السابقة، أم أمام مرحلة جديدة مختلفة في الشكل والأهداف والنتائج؟
المشهد الحالي لا يمكن فصله عن التاريخ الطويل للصراع على الأرض اللبنانية. ففي سبعينات القرن الماضي، تحوّل الجنوب تدريجيًا إلى ساحة مفتوحة بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية، ثم تطور الأمر إلى اجتياح واسع عام 1982 وصل إلى بيروت وأسّس لاحتلال طويل دام سنوات. يومها، لم تكن إسرائيل ترى في الجنوب مجرد حدود مضطربة، بل منطقة يجب إعادة تشكيلها أمنيًا وسياسيًا لمنع أي تهديد مباشر لأمنها. واليوم، يبدو أن العقل الأمني الإسرائيلي يعود إلى المنطق نفسه، وإن بأدوات مختلفة وظروف إقليمية مختلفة.
عبور الليطاني ليس تفصيلًا عسكريًا عابرًا. فالليطاني كان دائمًا خطًا سياسيًا وأمنيًا أكثر منه مجرد نهر. منذ القرار 1701 بعد حرب 2006، تحوّل جنوب الليطاني إلى منطقة مرتبطة بتوازنات دقيقة بين حزب الله والجيش اللبناني والقوات الدولية وإسرائيل. لذلك فإن أي عبور إسرائيلي لهذا الخط يحمل رسالة واضحة بأن تل أبيب تعتبر أن قواعد ما بعد 2006 لم تعد كافية لضمان أمنها، وأنها مستعدة للذهاب أبعد من الخطوط التي كانت معتمدة طوال السنوات الماضية.
لكن التطور الأخطر لا يقتصر فقط على الجنوب. فمع اتساع العمليات، بدأت تظهر مؤشرات إلى إدخال مناطق من البقاع الغربي ضمن ما يشبه “الخط الأصفر” الأمني أو نطاق الاستهداف والضغط العسكري غير المباشر. وهذا التطور يحمل دلالات استراتيجية كبيرة، لأن البقاع الغربي لا يُعتبر فقط امتدادًا جغرافيًا للجنوب، بل يمثل عقدة وصل بين الجنوب والداخل اللبناني والحدود السورية. أي توسع نحو هذه المنطقة يعني أن إسرائيل لم تعد تنظر إلى المواجهة باعتبارها محصورة بالشريط الحدودي، بل كجزء من معركة أوسع مرتبطة بخطوط الإمداد والبنية العسكرية واللوجستية الممتدة داخل لبنان.
إدخال البقاع الغربي ضمن الحسابات العسكرية يذكّر أيضًا بمراحل سابقة من الحرب اللبنانية حين كانت إسرائيل تسعى إلى السيطرة بالنار على المحاور الحيوية، لا فقط على القرى الحدودية. فالجغرافيا هنا ليست مجرد مساحة، بل شبكة طرق واتصالات وممرات استراتيجية تعتبرها إسرائيل جزءًا من البيئة العسكرية التي يجب مراقبتها أو تعطيلها. لذلك فإن الحديث عن “خط أصفر” جديد يتجاوز الجنوب التقليدي يثير مخاوف حقيقية من إعادة رسم غير معلنة لخريطة النفوذ الأمني داخل لبنان.
لكن السؤال الأخطر الذي بدأ يُطرح في الأوساط اللبنانية ليس فقط لماذا عبرت إسرائيل الليطاني، بل إلى أين يمكن أن تصل؟ وهل يمكن أن يتكرر سيناريو 1982 تدريجيًا وصولًا إلى صيدا وربما أبعد؟ الحديث عن قرى مثل زوطر والنبطية لم يعد مرتبطًا بالمناطق الحدودية التقليدية، بل بعمق جغرافي وسكاني وسياسي يمثل قلب الجنوب اللبناني. ومن هنا بدأ الحديث عن احتمال التوسع نحو نهر الأولي، باعتباره الخط الطبيعي التالي إذا قررت إسرائيل توسيع عملياتها العسكرية بشكل أكبر.
الوصول إلى نهر الأولي يعني عمليًا اقتراب العمليات من صيدا، أي الانتقال من حرب حدودية إلى إعادة رسم واسعة للواقع الميداني في الجنوب. صحيح أن إسرائيل تملك القدرة العسكرية على ذلك، وقد فعلت ما هو أبعد في السابق عندما وصلت إلى بيروت، لكن الظروف اليوم ليست نفسها بالكامل. إسرائيل تعرف أن أي احتلال طويل أو توغل واسع داخل العمق اللبناني يحمل مخاطر استنزاف كبيرة، خصوصًا في ظل طبيعة الحرب غير التقليدية التي خبرتها منذ احتلال الجنوب وحتى انسحابها عام 2000.
في المقابل، لا يمكن تجاهل أن إسرائيل الحالية تبدو أكثر استعدادًا لاستخدام القوة بشكل واسع بعد صدمة السابع من أكتوبر وما تبعها من تغيرات في العقيدة الأمنية الإسرائيلية. هناك شعور داخل المؤسسة العسكرية والسياسية الإسرائيلية بأن أي تهديد حدودي يجب التعامل معه جذريًا، وليس عبر احتواء مؤقت أو تفاهمات هشة. ومن هذا المنطلق، قد ترى إسرائيل أن إقامة منطقة عازلة فعلية، سواء بالنار أو بالانتشار العسكري المباشر، باتت ضرورة استراتيجية لا خيارًا ظرفيًا.
لكن لبنان اليوم ليس فقط ساحة مواجهة عسكرية، بل دولة تعيش واحدة من أخطر مراحل ضعفها التاريخي. الانهيار الاقتصادي، الشلل السياسي، تراجع مؤسسات الدولة، والانقسام الداخلي حول خيارات الحرب والسلم، كلها عوامل تجعل الجنوب والبقاع أكثر هشاشة أمام أي تصعيد. في السابق، كان لبنان يملك حدًا أدنى من التماسك المؤسساتي والسياسي يسمح بإدارة الأزمات، أما اليوم فالدولة بالكاد تستطيع التعامل مع تداعيات النزوح والدمار والخوف المتصاعد بين السكان.
وهنا تكمن خطورة اللحظة الحالية. فالمشكلة ليست فقط في احتمال توسع العمليات الإسرائيلية، بل في احتمال أن يعود لبنان مجددًا إلى موقع “الساحة” التي تُدار فوق أرضها الصراعات الإقليمية والدولية. فإسرائيل لا تنظر إلى الجنوب والبقاع بمعزل عن إيران، وإيران لا تنظر إلى لبنان بمعزل عن صراعها الإقليمي مع الولايات المتحدة وإسرائيل. وبين الطرفين، يجد اللبنانيون أنفسهم مرة جديدة أمام حرب تتجاوز حدود قرارهم الوطني.
التاريخ اللبناني مليء بالمراحل التي فقدت فيها الدولة السيطرة على قرار الحرب والسلم، وكانت النتيجة دائمًا تآكل السيادة وتدمير الاقتصاد وتهجير السكان وتعميق الانقسامات الداخلية. لذلك فإن أخطر ما في المشهد الحالي ليس فقط احتمال وصول الدبابات إلى مناطق أعمق، بل احتمال تكريس واقع تصبح فيه الجغرافيا اللبنانية مرة جديدة جزءًا من التفاوض الإقليمي الكبير.
ورغم التصعيد، لا يزال من المبكر الجزم بأن إسرائيل تتجه فعلًا نحو احتلال واسع حتى الأولي أو نحو تثبيت نفوذ مباشر في البقاع الغربي. فهناك أيضًا ضغوط دولية وإقليمية تمنع انفجارًا شاملًا، كما أن أي توسع كبير سيعني دخول إسرائيل في مواجهة أكثر تعقيدًا وكلفة. لكن في المقابل، فإن استمرار الغموض وغياب أي أفق سياسي واضح يبقي كل الاحتمالات مفتوحة، خصوصًا إذا استمرت المواجهات وتوسعت تدريجيًا.
في النهاية، يبدو لبنان اليوم وكأنه يقف مجددًا عند مفترق تاريخي شبيه بمفارق كثيرة مرّت عليه منذ عقود. السؤال لم يعد فقط أين ستصل إسرائيل، بل ماذا بقي من قدرة اللبنانيين على منع بلدهم من التحول مجددًا إلى ساحة مفتوحة لحروب الآخرين. فحين تغيب الدولة القادرة، وتصبح الأرض اللبنانية جزءًا من صراع إقليمي أكبر منها، يصبح الخوف الحقيقي ليس من عبور نهر أو سقوط قرية، بل من سقوط فكرة الدولة نفسها، ومن دخول لبنان مرة أخرى في مرحلة طويلة من الفوضى والوصايات والحروب المفتوحة التي يعرف اللبنانيون جيدًا كيف تبدأ، لكنهم يعرفون أيضًا كم يكون الخروج منها مكلفًا وطويلًا.