في لبنان…
ذلك الوطن المعلّق بين وجع التاريخ وجمال الرسالة،
الحكاية حكاية شعبٍ كلّما حاولت الرياح أن تقتلع جذوره،
عاد فأنبت من الصخر أرزًا، ومن الألم أملا، ومن الدموع وطنًا جديدًا.
ما يجمع اللبنانيين لا تحده حدود القرى،
ولا أسماء العائلات،
ولا اختلاف اللهجات والرايات،
بل شيء أعمق بكثير…
يجمعهم الخبز الذي اقتسموه في أيام الحصار،
والأمهات اللواتي انتظرن أبناءهن على أبواب الغياب،
والشوارع التي حفظت خطى العابرين مهما اختلفت وجوههم،
والهمم العالية التي لا تنهار على وقع الأخبار المؤلمة.
ما يجمعنا أكبر من السياسة حين تضيق،
وأكبر من الخطابات حين تتعب،
وأكبر من كلّ يدٍ حاولت أن تجعل من الاختلاف لعنة،
بينما الحقيقة أنّ الاختلاف في لبنان كان دائمًا سرّ جماله، وقوة وجوده .
قد تختلف أجراس الكنائس وأصوات المآذن. لكن يبقى الدعاء رجاء من الخلق الى الخالق .
نحن أبناء وطنٍ واحد،
حين يتألّم جنوبه يرتجف شماله،
وحين يحزن بقاعه يضيق قلب بيروت،
وحين ينهض جبله يشعر الساحل أنّ الكرامة تجمع الجميع .
هذه البلاد لم يحفظها السلاح .
بل حفظتها المحبّة الخفيّة بين ناسها،
تلك التي تظهر وقت الشدائد،
حين يسقط كلّ شيء ويبقى الإنسان إلى جانب الإنسان.
في لبنان،
قد نختلف في الرأي،
في السياسة،
في قراءة الماضي،
لكنّنا نتشابه في الحلم:
أن يبقى هذا الوطن حيًّا،
حرًّا،
جميلًا،
وأن لا يرث أولادنا الخوف الذي ورثناه.
ما يجمع اللبنانيين هو التعب نفسه،
والرجاء نفسه.
هو تلك القدرة العجيبة على النهوض بعد كلّ انكسار،
كأنّ هذا الشعب خُلق من قلب البلاء
كلّما ازداد الألم، عاد أكثر إشراقًا.
يا أهل لبنان،
المطلوب أن نفهم أنّ الوطن لا ينهض بالغالب والمغلوب،
بل بمحبة القلوب.
التي تعرف أنّ الشريك في الوطن قدرًا جميلًا يضيف الى الجمال جمالا .
وما أجمل أن ندرك أخيرًا
أنّ الذي يجمعنا
على مساحة الأرضٍ والحدود،
ذاكرة مشتركة،
ووجع مشترك،
وحلم مشترك،
وأنّ لبنان، بكلّ ما فيه،
لن يشبه إلّا نفسه…
حين يتعانق أبناؤه فوق كلّ انقسام.
لأنّ الأوطان العظيمة لا يحميها إلا الإيمان العميق
بأنّ ما يجمعنا…
أكبر بكثير ممّا يفرّقنا.