جوزيان الحاج موسى

إيطاليا ولبنان: علاقة ثابتة وسط الحرب

9 دقائق للقراءة

المصدر: The Beiruter

كتبت جوزيان الحاج موسى في موقع The Beiruter المقال الآتي:

قلّما استثمرت دولة أوروبية في لبنان بقدر ما فعلت إيطاليا. فمن خلال امتلاكها واحدة من أكبر القوات المشاركة ضمن قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل)، والتزامها الممتد منذ عقود بسيادة لبنان، حرصت روما على أن تكون أكثر من مجرد مراقب بعيد لأزمات البلاد، بل شريكاً معنيّاً بشكل مباشر بمصيرها. وقد ازدادت أهمية هذا الدور مع عودة لبنان مجدداً إلى قلب صراع إقليمي آخذ في التوسع.

يشغل فابريتسيو مارشيلي منصب سفير إيطاليا في لبنان منذ مايو 2024، بعدما وصل إلى بيروت في مرحلة مفصلية من العلاقات بين البلدين، وفي خضم واحدة من أكثر الفترات حساسية واضطراباً في تاريخ العلاقات اللبنانية الإيطالية الحديث. وفي أبريل الماضي، زار وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني بيروت، معلناً استعداد بلاده لاستضافة مفاوضات بين لبنان وإسرائيل بهدف احتواء النزاع واستعادة الاستقرار. وجاء هذا الطرح في وقت بدأت فيه ملامح الانزعاج الإيطالي من السلوك العسكري الإسرائيلي تظهر بشكل أكثر وضوحاً. فقد استدعت روما السفير الإسرائيلي عقب إطلاق القوات الإسرائيلية طلقات تحذيرية باتجاه موكب كان يقل عناصر حفظ سلام إيطاليين في لبنان، فيما أشرف مارشيلي شخصياً على إيصال مساعدات طارئة بقيمة 10 ملايين يورو، إضافة إلى نحو 40 طناً من الإمدادات الإنسانية للعائلات اللبنانية النازحة.

في هذا السياق، أجرت The Beiruter مقابلة حصرية مع السفير الإيطالي في لبنان فابريتسيو مارشيلي، الذي تولى مهامه في مايو 2024 خلال مرحلة مفصلية في العلاقات بين البلدين، وفي واحدة من أكثر الفترات تعقيداً في مسار العلاقات اللبنانية الإيطالية خلال السنوات الأخيرة.

حماية اليونيفيل والتعامل مع التصعيد

أكد مارشيلي أن حماية قوات اليونيفيل لا تزال من أبرز أولويات روما، في ظل تكرار الحوادث التي تعرضت خلالها مواقع حفظ السلام في جنوب لبنان لإطلاق نار من القوات الإسرائيلية ومن حزب الله على حد سواء. وقال إن إيطاليا “احتجّت بشدة” على الهجمات التي استهدفت قوات حفظ السلام، مشدداً على أن اليونيفيل ليست طرفاً في الحرب، بل موجودة لمساعدة المدنيين.

وقال مارشيلي: "لا يوجد أي منطق عسكري أو سياسي لاستهداف اليونيفيل"، في إشارة إلى الحادثة التي أطلقت خلالها القوات الإسرائيلية النار على موكب إيطالي تابع لليونيفيل في إقليم التفاح، وهي الحادثة التي دفعت روما إلى تعليق اتفاقها الدفاعي مع تل أبيب.

وأوضح أن إيطاليا استدعت السفير الإسرائيلي في روما للتعبير عن استيائها من الحادثة والتحذير من تكرارها، مضيفاً أن مواقف رسمية مماثلة اتُخذت بعد حوادث سابقة استهدفت قوات حفظ السلام.

وأضاف "في البداية ينفون مسؤوليتهم. ثم يقولون إن هناك تحقيقاً جارياً. وفي نهاية التحقيق يعترفون بأنهم المسؤولون، لكنهم يقولون إن الأمر لم يكن متعمداً".

وأشار السفير أيضاً إلى المخاطر الواسعة التي تواجه قوات حفظ السلام في جنوب لبنان، لافتاً إلى مقتل ستة عناصر حفظ سلام مؤخراً، بينهم أربعة إندونيسيين واثنان فرنسيان. ورغم وصفه لهذه الحوادث بأنها “عرضية”، أقرّ بأن القوات المنتشرة في مناطق النزاع تبقى عرضة للنيران من الجانبين.

الالتزام العسكري الإيطالي طويل الأمد في لبنان

وفي حديثه عن استمرار الوجود العسكري الإيطالي في لبنان، أكد مارشيلي لـ The Beiruter أن روما تعتزم مواصلة انخراطها حتى بعد انتهاء ولاية اليونيفيل في ديسمبر 2026، وذلك عبر مهمتي MCT4L وMIBIL الثنائيتين. وأوضح أن هاتين المهمتين، بخلاف مواقع اليونيفيل جنوب نهر الليطاني، تتمركزان بين بيروت وصيدا وفي عمشيت، بعيداً عن خطوط المواجهة المباشرة.

وقال: "وجودها يتركز أساساً على تقديم المساعدة والتدريب وبناء القدرات والدعم العملياتي للجيش اللبناني"، واصفاً الجيش اللبناني بأنه "مؤسسة أساسية لاستقرار هذا البلد."

ورغم أن المساهمة الإيطالية الرسمية ضمن اليونيفيل تبلغ 746 جندياً، أوضح مارشيلي أن العدد الفعلي للعسكريين الإيطاليين في لبنان يتجاوز 1300 عنصر عند احتساب القوات الإضافية الموجودة في قواعد الناقورة وشمع، إضافة إلى عناصر المهمات الثنائية.

وعلى الرغم من الانتقادات التي وجّهتها بعض أطراف المعارضة الإيطالية بشأن إبقاء القوات الإيطالية في مناطق معرضة للاستهداف، شدد مارشيلي على أن روما لا تزال متمسكة بوجودها في لبنان.

وقال "نحن هنا منذ عام 1978 من دون انقطاع، خلال الحرب الأهلية وحرب 2006 وما بعدها. الأمر لا يخلو من المخاطر، لكنهم عسكريون مدربون على التعامل مع مثل هذه الظروف".

انتقاد العمليات الإسرائيلية وعرض استضافة المفاوضات

وتطرق مارشيلي إلى انتقادات إيطاليا للعمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان. وفي إشارة إلى تصريحات تاياني الأخيرة أمام البرلمان الإيطالي، وصف تدمير القرى في جنوب لبنان بأنه “غير مقبول إطلاقاً”، خصوصاً الهجمات التي طالت القرى المسيحية.

وقال "كما نعلم جميعاً، القرى المسيحية محايدة في هذه الحرب". وأضاف "لا يوجد أي مبرر لمهاجمتها أو تدمير آبار المياه والألواح الشمسية فيها، أو جعلها غير صالحة للحياة ودفع سكانها إلى مغادرتها.".

وأكد السفير أن إيطاليا عرضت استضافة أي مفاوضات محتملة بين لبنان وإسرائيل في حال تطورت الاتصالات الحالية إلى مسار دبلوماسي أكثر تنظيماً. وبينما أشار إلى أن المحادثات بدأت بالفعل في واشنطن، قال إن روما يمكن أن توفر مكاناً قريباً جغرافياً ومحايداً سياسياً لأي نقاشات مستقبلية.

وأضاف "لقد عرضنا فقط استضافة هذه المحادثات"، معتبراً أن القرار الآن يعود إلى الأطراف المعنية.

إعادة الإعمار والمساعدات الاقتصادية وشروط الإصلاح

وفي ما يتعلق بإعادة الإعمار والدعم الاقتصادي، شدد مارشيلي لـ The Beiruter على أن إيطاليا، كسائر الجهات الدولية المانحة، تنتظر إحراز تقدم في الاتفاق بين لبنان وصندوق النقد الدولي قبل الالتزام بأي مساعدات مالية واسعة النطاق. وأوضح أن الدعم الإيطالي حتى الآن ركّز بشكل أساسي على المنح والمشاريع الإغاثية الطارئة خلال الحرب، مع أمل بالانتقال لاحقاً إلى برامج التعافي المبكر وإعادة الإعمار بعد تراجع التصعيد وعودة النازحين إلى منازلهم.

وقال إن أولويات التعاون الإيطالي في لبنان تركز تقليدياً على قطاعات المياه والطاقة والحفاظ على التراث الثقافي، مشيراً إلى أن روما لا تزال من أبرز الجهات الداعمة للبنان في مجال التراث. ولفت إلى مشروع ترميم محطة قطار مار مخايل، المتوقع إنجازه بحلول نهاية العام، بعد مساهمة إيطاليا سابقاً في ترميم الطابق الثاني من المتحف الوطني.

وفي قطاع الطاقة، قال مارشيلي إن المبادرات الحالية لا تزال تقتصر على مشاريع صغيرة تنفذها منظمات غير حكومية إيطالية تعمل في مختلف المناطق اللبنانية، من بينها تركيب ألواح شمسية للمدارس الرسمية. كما أكد أن شركة الطاقة الإيطالية ENI لا تزال شريكاً في كونسورتيوم التنقيب البحري إلى جانب شركاء فرنسيين وقطريين، إلا أن المشروع متوقف حالياً بسبب الحرب.

وعن الإصلاحات المطلوبة لفتح الباب أمام دعم أوروبي مستدام، وصف مارشيلي أجندة الإصلاح في لبنان بأنها واسعة جداً، تبدأ من الإصلاحات المالية غير المنجزة حتى اليوم. واعتبر أن قانون إعادة هيكلة المصارف، إضافة إلى “قانون الفجوة المالية” الذي لم يُحسم بعد، يشكلان من أبرز الأولويات، إلى جانب إصلاحات الحوكمة وتعزيز المؤسسات.

وأشار كذلك إلى أن "أوروبا، أي الاتحاد الأوروبي ودوله الـ27، تبقى بفارق كبير أكبر جهة مانحة للبنان"، معتبراً أن كثيراً

من اللبنانيين لا يدركون حجم الدعم الأوروبي مقارنة بالمساعدات الأميركية أو الخليجية.

الروابط الثقافية والتعليمية والإنسانية

وشدد السفير أيضاً على عمق العلاقات التاريخية بين إيطاليا ولبنان عبر التعليم والهجرة والتبادل الثقافي. وأشار إلى تأسيس شبكة جديدة لخريجي الجامعات الإيطالية تضم لبنانيين من مختلف أنحاء العالم، ويبلغ عدد أعضائها نحو 220 شخصاً موزعين بين لبنان وإيطاليا والإمارات والجاليات اللبنانية الأخرى.

وقال "إنهم يشكلون جسراً مهماً بين البلدين"، مضيفاً أن إيطاليا تسعى إلى تعزيز ليس فقط التعاون التعليمي، بل أيضاً الاستثمار والتنقل والعلاقات الإنسانية المباشرة بين الشعبين.

وأشار مارشيلي إلى أن العديد من الطلاب اللبنانيين الذين يدرسون في إيطاليا يختارون البقاء هناك والحصول على الجنسية الإيطالية، فيما يقيم حالياً نحو 3000 مواطن إيطالي في لبنان، معظمهم يحملون الجنسية المزدوجة نتيجة الزواج أو التجنيس أو العلاقات المهنية. وأضاف أن العديد من الجنود الإيطاليين الذين خدموا في جنوب لبنان تزوجوا من لبنانيات، ما خلق، بحسب وصفه، “روابط قلبية” و”روابط رومانسية” بين المجتمعين.

السيادة وحزب الله ومستقبل لبنان الاستراتيجي

وفي ما يتعلق بمسألة السيادة والسلاح، جدد مارشيلي دعم إيطاليا للجيش اللبناني باعتباره الجهة الأمنية الشرعية الوحيدة في البلاد. واعتبر أن إسرائيل، بصفتها جيشاً نظامياً، يجب أن تخضع لمعايير أعلى من حزب الله الذي وصفه بأنه جهة غير حكومية.

وأكد السفير بحزم "نتمنى أن تغادر القوات الإسرائيلية الأراضي اللبنانية في أسرع وقت ممكن لأنها قوة احتلال". وفي الوقت نفسه، دعا إلى نزع سلاح حزب الله، معتبراً أن خيار العمل المسلح أثبت أنه "غير مجدٍ بالكامل". وأضاف "اليوم، ومع احتلال خُمس الأراضي اللبنانية من قبل جيش أجنبي، فهذا أمر غير مقبول".

وعن المستقبل، وصف مارشيلي لبنان بأنه "حلقة وصل أساسية بين البحر المتوسط والشرق الأوسط"، معتبراً أن استقراره يحمل أهمية استراتيجية للمنطقة بأسرها. ورغم الأزمة المستمرة في لبنان، أشاد بالموارد البشرية اللبنانية، مؤكداً استعداد إيطاليا لمواصلة دعم استقرار لبنان وتنميته.

وفي ختام حديثه، قال مارشيلي "نأمل الأفضل"، مضيفاً "نحن مستعدون لدعم لبنان قدر المستطاع، لأن ذلك يصب أيضاً في مصلحتنا كدولة متوسطية".