الدكتور سايد حرقص

ظلال "فخ ثوسيديديس"

4 دقائق للقراءة

منذ انهيار الاتحاد السوفيتي، دخل العالم مرحلة "القرن الأمريكي"، وبات النظام الدولي محكوماً بقوة واحدة تمتلك الاقتصاد الأقوى، والجيش الأضخم، والنفوذ السياسي والثقافي الأوسع. لكنّ الأخطاء الأمريكية في التسعينيات ،خلال مرحلة السعي لمنع اليورو من تهديد عرش الدولار ، أسهمت بشكل مباشر في الصعود الصيني المتسارع؛ مما ساهم اليوم، وبحسب توصيف الرئيس الصيني، برفع مخاطر ما يُعرف بـ "فخ ثوسيديديس"، أي تلك اللحظة التاريخية الخطرة التي تدخل فيها قوة صاعدة في مواجهة مع قوة مهيمنة تخشى فقدان موقعها في العالم.

​المصطلح مستوحى من المؤرخ الإغريقي ثوسيديديس الذي وصف أسباب الحرب بين إسبرطة وأثينا بقوله الشهير: "إنّ صعود أثينا والخوف الذي زرعه هذا الصعود في إسبرطة جعلا الحرب حتمية". وفي العصر الحديث، أعاد الباحث الأمريكي غراهام أليسون إحياء هذا المفهوم ليحذّر من احتمال انزلاق العالم إلى صدام بين الولايات المتحدة والصين، شبيه بما شهدته قوى كبرى عبر التاريخ.

​في حديثه خلال زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بدا الرئيس الصيني شي جين بينغ مدركاً تماماً لهذه المعضلة التاريخية. فالصين، رغم صعودها الاقتصادي الهائل، تحاول رسم صورة مختلفة عن القوى الصاعدة التقليدية التي اندفعت نحو المواجهة العسكرية المباشرة مع القوى المهيمنة. بكين تدرك أنّ واشنطن لا تنظر إلى النمو الصيني بوصفه مجرد نجاح اقتصادي، بل باعتباره تهديداً استراتيجياً طويل الأمد قد يحد من التفوق الأمريكي.

​على الرغم من أنّ القيادة الصينية اعتمدت منذ زمن خطاباً حذراً يقوم على مفاهيم مثل "الصعود السلمي" و"المصير المشترك للبشرية" في محاولة لطمأنة الولايات المتحدة بأنّها لا تسعى إلى تدمير النظام الدولي، غير أنّ المشكلة تكمن في أنّ الولايات المتحدة، كقوة مهيمنة، لا تثق بنوايا القوى الصاعدة، حتى لو رفعت الأخيرة شعارات التعاون والسلام.

​فالولايات المتحدة ترى أنّ الصين لا تنافسها اقتصادياً فقط، بل تبني تدريجياً منظومة عالمية موازية: من مشروع "الحزام والطريق"، إلى التوسع والتطور التكنولوجي، ومحاولات تقليص الاعتماد على الدولار، وصولاً إلى تطوير جيش حديث قادر على فرض النفوذ في بحر الصين الجنوبي والمحيط الهادئ. ومن هنا، بدأ الانتقال الأمريكي من سياسة "الاحتواء الناعم" للصين إلى مواجهة اقتصادية وتكنولوجية واستراتيجية أكثر وضوحاً.

​وقد عبّر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بوضوح عن هذا التحول، ليس فقط عبر الحرب التجارية والرسوم الجمركية، بل أيضاً من خلال إعادة تعريف الصراع مع الصين باعتباره معركة على قيادة العالم في القرن الحادي والعشرين. وخلال الاجتماع الذي عُقد بين مسؤولين أمريكيين وصينيين، بدا واضحاً أنّ التوتر لم يعد مجرد خلاف تجاري، بل صراع على النفوذ العالمي والتفوق التكنولوجي والاقتصادي؛ فواشنطن تسعى إلى الحد من الصعود الصيني، فيما تحاول بكين تجنب الانجرار إلى مواجهة مباشرة قد تستنزف مشروعها التاريخي.

​خلال الاجتماع الثنائي، بدت القيادة الصينية واعية بمعادلة تتلخص في أن أي صدام عسكري مباشر مع الولايات المتحدة قد يدمّر الحلم الصيني للأبد. لذلك، تحاول بكين كسب الوقت، وتعزيز قوتها الاقتصادية والعلمية، وتوسيع نفوذها العالمي تدريجياً، من دون الوصول إلى لحظة الانفجار الكبير؛ إنها سياسة تقوم على الصبر الاستراتيجي أكثر من المغامرة.

​رغم ذلك، يبقى الخطر قائماً؛ فالتاريخ يُظهر أنّ الحروب الكبرى كثيراً ما اندلعت ليس بسبب قرار واعٍ بالحرب، بل نتيجة تراكم الشكوك وسوء التقدير والصراعات الإقليمية.

​في العمق، لا يدور الصراع الأمريكي ـ الصيني حول التجارة، بل حول: هل يبقى العالم أحادي القطبية بقيادة أمريكية، أم يتحول إلى نظام متعدد الأقطاب تتقاسم فيه الصين النفوذ والقرار الدولي؟

​هنا تحديداً تكمن خطورة "فخّ ثوسيديديس"؛ فحين تخاف القوة المهيمنة من المستقبل، وتطمح القوة الصاعدة إلى مكان تحت الشمس، يصبح العالم كله واقفاً على حافة التوتر الدائم. فهل سينجح التنين الصيني في إيجاد تعويذة تكاملية بين الاقتصاد الأمريكي المتوحش والديكتاتورية الاشتراكية الصينية، أم أن "فخ ثوسيديديس" هو لعنة أبدية عمرها من عمر الإمبراطوريات؟