ريمون شاكر

"اللامركزية" لا تفي بالغرض... "الفدرالية" وأكثر!

4 دقائق للقراءة

قد يغضب منا الوطنيون الزائفون، أصحاب الشعارات القومية والعروبية والوحدوية، وأولئك الذين يدّعون العلمانية، ويتغنّون بالدولة المدنية، وهم أشدّ الناس تعصّباً وانعزالاً.. وسيتهمنا بعض المأجورين أو "المغسول دماغهم" بالإمبريالية والصهيونية وأتباع "الشيطان الأكبر". (فشر من رقبتهم)...

فقط فدرالية الزبالة مسموحة ومتوافَق عليها، لأنها زبالة، ولأنّ رائحتها كما أمراضها، لا تضرّ ولا تقتل إلاّ أصحابها من لون طائفي معيّن...

فالحروب المتكرِِّرة منذ 1958 و 1969 و 1975 وصولاً إلى 2006 و 2008 و 2023 و 2026.. أثبتت عجز هذا النظام المركزي عن حماية البلاد وتوفير الإستقرار والأمان، ممّا يجعل إعادة توزيع السلطة ضرورة وطنية لإدارة التعدّدية...

فلبنان اليوم يعيش في ظلّ "فدرالية أمر واقع" نتيجة ضعف الدولة، حيث يسيطر "حزب الله" كسلطة موازية لا تعترف بالدولة ومؤسّساتها، ممّا يدفع أكثرية اللبنانيين لتنادي بالفيدرالية كحلّ لتنظيم هذا الواقِع سياسياً بدلاً من الإنفجار...

نحن الشعب المقهور، المديون، الجائع، المهجّر، نريد حلاً ينتشلنا من مستنقع الحروب والبؤس واليأس... ومن تكرار ظواهر عبد الناصر وحافظ الأسد وياسر عرفات والخميني... اختاروا النظام الذي تريدون أيها القادة والزعماء، ادرسوا مواصفاته بتأنٍٍّ على طاولة الحوار، لا يهمّنا التسمية بقدر ما يهمّنا الخلاص، الخلاص من دوامة الحروب والمآسي التي لم تفارق وطننا منذ الإستقلال وحتى اليوم.

آلاف ااشهداء سقطوا، وآلاف هاجروا، وآلاف ينتظرون دورهم للشهادة والهجرة.. الفقر يجتاح البلاد، واللبنانيون، من كل المناطق والأطياف كفروا بكل شيء، وراحوا يتسابقون على ركوب البحر إلى بلاد الله الواسعة، هرباً من الواقع المزري الذي وصلت إليه البلاد، وهرباً من بعض زعماء هذا الزمن الرديء، الذين باعوا القانون والدستور والضمير، وابتدعوا قانوناً خاصاً بهم يسمح لهم بالتسلّح والتمرّد على الدولة والقضاء، وبغزو بيروت، وبالتدخّل في سوريا والعراق واليمن، وفي شنّ حروب "الإسناد" و"الثأر" من دون أن يُقيموا وزناً لأحد، أو يحترموا شركاءهم في الوطن...

ماذا ستغيّر "اللامركزية" في واقعنا؟ وهل هي كافية لإنقاذ وطن مخطوف ومشرذم، ينوء تحت الديون، والسلاح المتفلِّت، والتعصّب الأعمى، والإرهاب، والنزوح، والقلق الدائم على المصير؟...

قد تحلّ "اللامركزية الإدارية" بعض المشاكل الإدارية، وبعض المشاكل المالية التي تعاني منها المناطق، ولكنها لا تعالج المشاكل السياسية والإقتصادية والإجتماعية التي تشكو منها البلاد منذ أكثر من نصف قرن.. هناك مشكلة رافقت وطننا منذ نشوئه ولم تجد لها الحكومات المتعاقِبة حلاً طوال هذه السنين.. إنها مشكلة الولاء للوطن، مشكلة المواطنة والإنتماء، ففي مجتمعنا المتخلّف والمفكّك، لا تزال روابط العشيرة والطائفة والمذهب وتوجيهات "الوليّ الفقيه" أقوى وأعمق من رابط الوطن...

ما هذا النظام الذي تتشبّثون به وتدافعون عنه، والذي لا يسمح بتداول السلطات وتشكيل الحكومات إلاّ بعد فراغٍ قاتل، وشلل حكومي وتشريعي، وانهيار مالي وافتصادي؟ ما هذا النظام الذي نخر الفساد عظام مسؤوليه ومؤسساته حتى أضحى بلدنا يحتلّ المرتبة 137 من 177 في مؤشّر الفساد التي تصدره "منظمة الشفافية الدولية"؟ ما هذا النظام الذي يسمح لفئة من اللبنانيين بحمل السلاح والتسلّط على فئة أخرى من أبناء بلدها بحجّة مقاومة العدوّ الإسرائيلي، فتعطّل الإنتخابات الرئاسية، وتشلّ مجلسَي النواب والوزراء، وتقضي على الدورة الإقتصادية، ثمّ تذهب إلى بلد آخر لتقاتل قسماً من شعبه دفاعاً عن نظام ذلك البلد؟ أيّ نظام هذا يرفع الميثاقية يوماً إلى مرتبة القداسة، ثمّ لا يلبث أن ينكرها وينحرها ساعة يشاء؟....


    أيها السادة، هذا النظام فشلَ في كل شيء، حتى في تأمين الكهرباء والمياه وفي "لمّ" الزبالة، ولم يعد صالحاً وغير قابل للحياة...

    أوطان كثيرة عاشت مثلنا عشرات السنين من التناحر والتقاتل، فارتوت أرضها بدماء الشهداء، وهجرها شبابها بسبب الفقر والخوف والقلق، إلى أن شبعت الأرض من دماء أبنائها، واستيقظ رجالها من سُباتهم وتخلّفهم، فاجتمعوا وتحاوروا واتفقوا على نظام جديد يحفظ أوطانهم ويحمي شعوبهم ويحصّن المواطنة لديهم....

"إنّ الفيدرالية تمنح الشعوب القوّة الهائلة للأمّة الموحّدة، وفي نفس الوقت تحافظ على الحرية الفردية والتنوّع بفضل استقلالية الأقاليم".


باحث وكاتب سياسي