لم يعد الصمت مقبولا، ولم يعد التبرير ممكنًا، لأن الفوضى الإعلامية في لبنان لم تعد مجرد اختلاف في الآراء أو تنوع سياسي طبيعي، بل تحوّلت إلى خطر مباشر على الأمن الوطني اللبناني، وعلى وعي الناس ووحدة المجتمع وما تبقّى من صورة الدولة. ففي الدول المحترمة، يكون الإعلام خط الدفاع الأول عن الوطن عندما تُهدَّد السيادة أو يقترب خطر الحرب، أما في لبنان، فقد تحوّل جزء كبير من الإعلام إلى منصات تعبئة سياسية ومذهبية تُحرّك الغرائز، وتزرع الانقسام، وتفتح الهواء اللبناني أمام مشاريع الخارج وصراعاته، فيما كل طرف يمتلك منبره، وكل جهة تمتلك روايتها، وكل محور يمتلك جيشه الإلكتروني والسياسي والإعلامي. أما الدولة فغائبة، ووزارة الإعلام تتفرّج كأن ما يحصل لا يعنيها، وكأن البلد ليس على حافة انفجار سياسي وأمني واجتماعي، وكأن التحريض اليومي والتجييش الطائفي وتبرير السلاح والتلاعب بعقول الناس ليست تهديدات مباشرة للسلم الأهلي ولما تبقّى من استقرار لبنان.
أي دولة في العالم تسمح بهذا الانفلات الإعلامي في ظل أخطر مرحلة تمر بها البلاد؟ جنوب مشتعل، وتوغلات إسرائيلية واحتلال وتهديد دائم بالحرب، وقرار لبناني مُصادَر لمصلحة حسابات إقليمية، ومفاوضات تُدار في واشنطن وطهران، فيما اللبناني يُستخدم وقوداً على أرضه. ومع ذلك، ما زال البعض يتصرّف كأن لبنان مجرد منصة صراخ سياسي، لا وطن يُحتضر. إن أخطر ما يحصل اليوم هو تدمير وعي الناس، لأن الإعلام عندما يتحوّل إلى أداة تعبئة يفقد المواطن القدرة على التمييز بين الحقيقة والدعاية، وعندما تُضرب البوصلة الوطنية يصبح الشارع جاهزاً لأي فتنة وأي انفجار وأي انهيار. وهنا تحديداً تكمن الجريمة الكبرى، لأن اللعب بعقول اللبنانيين أخطر من اللعب بالنار، فالنار قد تحرق منطقة، أما الإعلام المنفلت فيحرق وطناً كاملاً.
من هنا، لا يكفي إصدار بيانات خجولة عن "التهدئة الإعلامية"، ولا يكفي الاختباء خلف شعار "حرية التعبير"، فالحرية لا تعني الفوضى، ولا تعني التحريض، ولا تعني تحويل الشاشات إلى متاريس سياسية ومذهبية. المطلوب اليوم قرار وطني واضح وصريح بإطلاق حالة إعلامية سيادية جامعة، أو ما يمكن تسميته "اللوبي الوطني الإعلامي اللبناني"، هدفه حماية لبنان لا حماية المحاور. لوبي يقول بوضوح إن لبنان ليس ورقة تفاوض إيرانية، وليس ساحة مستباحة لإسرائيل، وليس صندوق بريد للحروب الإقليمية، وليس مزرعة إعلامية مفتوحة لكل من يريد تسميم الوعي اللبناني. فالمطلوب وقف التحريض السياسي والطائفي المقنّع تحت عنوان التحليل الإعلامي، وإعادة وضع مفهوم السيادة اللبنانية فوق كل الاصطفافات والمحاور، وتحميل كل مسؤول لبناني مسؤولياته الكاملة، من الحكومة إلى وزارة الإعلام إلى القوى السياسية، لأن الصمت الرسمي لم يعد بريئًا، ولأن إعادة الاعتبار لفكرة الدولة الواحدة والقرار الواحد والسلاح الواحد والخطاب الوطني الواحد أصبحت ضرورة وجودية، فاستمرار تعدد المرجعيات يعني استمرار انهيار لبنان.
إن إطلاق خطاب وطني موحّد تجاه الجنوب، يؤكد أن حماية الأرض لا تكون بزجّ لبنان في حروب مفتوحة، ولا بتحويل الشعب رهينة مشاريع إقليمية لا علاقة لها بمصلحة اللبنانيين.
لقد وصل لبنان إلى مرحلة خطيرة جدًا، وكل مسؤول ما زال يختبئ خلف الحسابات السياسية والطائفية يتحمل مسؤولية مباشرة أمام اللبنانيين وأمام التاريخ. أما وزارة الإعلام، فلا يحق لها البقاء في موقع المتفرج، فإما أن تتحوّل إلى مرجعية وطنية تضبط هذا الانفلات الإعلامي وتحمي السلم الأهلي، وإما أن تعترف بأنها فقدت دورها بالكامل في أخطر مرحلة يمر بها لبنان. فلبنان اليوم لا يحتاج إلى المزيد من الصراخ، ولا إلى المزيد من المنابر المأجورة والمحرّضة والمقسّمة، بل يحتاج إلى صحوة وطنية إعلامية شجاعة تعيد تكوين الوعي اللبناني قبل أن يسقط البلد نهائيًا في الفوضى الكبرى، لأن سقوط الإعلام الوطني ليس تفصيلا، بل بداية سقوط الوطن نفسه.