الإشكال الأول بين العماد ميشال عون واللواء عصام أبو جمرا، حصل بعد اللجوء إلى السفارة الفرنسية في شأن الأموال التي وضعها عون بإسم زوجته. في فرنسا اختلفت طريقة حياة عون عن طريقة حياة رفاقه الذين انتقلوا معه. طلب أبو جمرا مالا فأعطاه عون مبلغًا صغيرًا مرّة واحدة. بقي أبو جمرا خاضعًا للتراتبية العسكرية ولم يتمرّد على العماد عون. في زمن المنفى عمل المحامي لوسيان عون ورفاق له، لإستمرار النضال ورمي المناشير وأسّس المكتب الإعلامي وموقع "التيار" وإذاعة في بلجيكا، وكل ذلك من أجل التحضير لعودة عون.
هذه التفاصيل يرويها المحامي عون في هذه الحلقة الثانية مع "نداء السنين".
يقال إنّ أوّل إشكال بين العماد عون واللواء أبو جمرا حصل في السفارة؟
نعم. صار في لوم لماذا حصل كل ذلك. بعدها تخطّيا الموضوع. اعتبرا أنّ كلّ شيء صار وراءهما وأنّهما صارا محميَّين من فرنسا التي منحتهما اللجوء السياسي واعتبرت الأمر مرتبطًا بشرفها. بقيا في السفارة تسعة أشهر تقريبًا حتى حصل الحل.
حصل إشكال بينهما في شأن الأموال التي تلقّاها عون من العراق؟
أكيد. في البداية لم يكن هناك اي إشكال. عندما طلبت فرنسا ترحيل العماد عون، رفض الرئيس الياس الهراوي وقال إنّ هناك أموالا عامّة وإذا لم يتنازل عنها، فلن يسمح له بالخروج. تمسّك العماد عون بالأموال. الحلّ وجده اللواء أبو جمرا مع موفد كان يتردّد بين السفارة الفرنسية والرئيس الهرواي. الموفد الفرنسي كان الوزير سيكالدي الذي كان يجتمع مع عون وأبو جمرا. أبو جمرا بحث عن مخرج. بعدما اطّلع على ملفّ الأموال، وجد أنّ التحويل حصل من صدّام حسين على إسم العماد عون من دون أي صفة، لا رئيس الحكومة ولا قائد الجيش. أرسلها له بإسمه الشخصي. تمّ إقناع الوسيط الفرنسي بهذا الأمر وبأنّ المال حُوِّل على إسم العماد عون، ولم يُحوَّل إلى جهة رسمية. أقنع سيكالدي الرئيس الهراوي بالأمر وطلب الإفراج عن العماد عون ومن معه في السفارة. وافق الهراوي وانبسط عون. اللواء أبو جمرا قال له: هذه الأموال مفروض أن ننقلها معنا إلى باريس لأنّها أُرسِلت من أجل قضية. وافق عون. عند المساء فاتح عون أبو جمرا وسأله بإسم من يجب وضع هذه الأموال؟ قال له أبو جمرا: بإسم الثلاثة. نحن الثلاثة رمز القضية.
يعني عون وأبو جمرا والوزير إدغار معلوف؟
مية بالمية. ولكن بعد ذلك قال عون لأبو جمرا: إذا وضعناها بإسم الثلاثة قد تتخربط القصّة وتحصل تعقيدات. لماذا لا نضعها بإسم واحد؟ قال له أبو جمرا: إذا بدّك تحطّهم بإسمك حطّهم. لم تكن عنده خلفيّات ولم يتوقّع أن يقوم عون بالخربطة في موضوع الحسابات. قال له: حوِّلهم. عمل التحويل العماد عون. وهم ذاهبون إلى فرنسا عرف ابو جمرا أنّ الأموال حُوِّلت على إسم زوجة العماد عون وشقيقها. قام القيامة. أدرك أنّو في شي. هو راح عالعراق وجاب الأموال من أجل القضية. راحت لمصلحة أشخاص معيَّنين. بقي هذا الخلاف حول هذا الموضوع. شعر أبو جمرا أنّه يدفع ثمن نفيه مع عائلته. كان أولاده في الجامعات وزوجته أصابها السرطان وبدأت تعاني وكان عنده مصروف كبير في فرنسا.
عملية الإنتقال إلى فرنسا استلزمت أيضّا ترتيبات قانونية منها العفو عن العماد عون. كيف ترتّب هذا الموضوع؟
لمجرّد أن منحته فرنسا حقّ اللجوء السياسي كانت المشكلة انحصرت بهذه الأموال. عندما حُلّت هذه المسألة وافق الرئيس الهراوي أن يتمّ ترحيل عون وتم نفيه.
لم تكن هناك إشكالية في الملف القضائي من خلال الإدعاء عليه؟
الملف القضائي اشتغلت عليه أنا والأستاذ جان سلوان وميشال توفيق عون. كنّا نَحْضُر في محكمة جنايات بيروت عند الرئيس أبو عرّاج جلسات وما كنّا نقدر أن نَمثُل بسبب غياب المدّعى عليه، ووجود مذكّرات توقيف في حقّه. الملف كان يقال إنّه فارغ. قصقوصتين من جريدة. اتّهمه السوريون بالإخلال بالأمن الداخلي. كنّا نحضر ونستمع إلى الهيئة وكنت أتّصل به في فرنسا بعدما صار هناك ويسألني شو صار بالجلسة؟ إلى أن شعرت آخر جلسة عام 2005 قبل عودته إلى لبنان، أنّه كان مرتاحًا ولم يكن مضطربًا. كان هناك جو أنّ هناك صفقة عم تنعمل مع السوريين الأمر الذي سمح بعودته إلى لبنان.
قبل هذه الصفقة والعودة كيف كانت حياة اللواء أبو جمرا في فرنسا؟ عون كان تحت الحماية الفرنسية ومكان سكنه معروف. كيف عاش اللواء أبو جمرا مع عائلته وكيف عاش الوزير معلوف وعائلته؟
كان في منطقة بعيدة عن العماد عون الذي بقي في مرسيليا في البداية وانتقل إلى "لا هوت ميزون". عندما زرته هناك كانت لديه حماية أمّنتها له الدولة الفرنسية مع كل المستلزمات الأمنية. كان قاعد بفيلّا. اللواء أبو جمرا لم يكن يتمتّع بهذه الإمتيازات. لأنّ الدولة الفرنسية اعتبرت أنّه ليس في خطر هو وعائلته. عرضت عليه الجنسية الفرنسية ورفضها. كان عنده ندم. قال لي: يا ريت أخذتها. كان وطنيًا صادقًا لأنّه كان بكلّ سهولة يمكن أن يقبلها. أعتقد أن أولاده عادوا وحصلوا عليها.
كيف تدبّر أموره المعيشية؟
كان عنده أقساط للجامعات. الطبابة. زوجته مريضة. مرّة زار العماد عون وقال له: بدّي مصاري حتى أصرف. أنا أيضًا رحت ضحية سياستك المتهوّرة. قال له عون: ما معي مصاري. كانت مفاجأة للواء أبو جمرا. كيف ما معو مصاري وهو الذي سعى للحصول على هذه الأموال التي تحوّلت على إسم زوجة عون؟ حصل إشكال بينهما. أعطاه عون شيك بمبلغ صغير لم يكفه إلا لمدة شهرين أو ثلاثة لأنّ المعيشة مكلفة هناك والأموال التي حوّلها عون كانت بملايين الدولارات. قال لي أبو جمرا إنه لم يستفد إلا بهذا المبلغ.
حصل إشكال مع زوجته في مطار بيروت وأخذوا منها المال الذي كانت تنقله معها؟
صحيح. صادروه. هذا الأمر سبّب حرقة في قلب اللواء أبو جمرا لأنّ زوجته تبهدلت. لماذا؟ بسبب السياسة التي كان يرسمها العماد عون وكان يخضع للتراتبية ولا يستطيع مخالفة أوامره أو يتمرّد عليه. كانت تحصل مناكفات ويعلو صوته.
المعروف عنه عندما كان في الوزارة أنّه كان يضرب بيده على الطاولة واشتهر بعبارة "نقطة عالسطر".
صحيح
لماذا لم يستطع أن يضرب على الطاولة ويقول للعماد عون نقطة عالسطر؟
لم يقدر. كان خاضعًا للمناقبية والتنشئة العسكرية. لا يخالف أوامر من هو أعلى منه رتبة منه، علمًا بأنّه خاض حروبًا ومعارك في الجنوب وضدّ الفلسطينيين ولديه تاريخ نضال كبير. عاد لاحقًا وعمل حركة إعتراضية لكنّها بقيَت ضمن حلقة ضيقة لأسباب كثيرة.
متى ذهبتَ إلى باريس وقابلتَ العماد عون؟ كيف بدأتم نشاطاتكم في لبنان؟ كنت المسؤول الإعلامي؟ كيف كان يتمّ ترتيب الأمور خصوصًا أنّه لم يكن تأسّس "التيار الوطني الحر" بعد، وكان لا يزال مكتب التنسيق؟
نحن أطلقنا تسمية "التيار". لم يكن حزبًا منظّمًا ولا جمعية. سمّيناه "التيار الوطني الحر". كنّا نناضل جنبًا إلى جنب مع "القوات اللبنانية" و"الكتائب"، ننسّق ونعمل مظاهرات. الشغل هنا كان بمعزل عن العماد عون. نقول له عملنا تحرّكًا هنا وتظاهرنا. قدّمت مكتبي لـ "التيار" طول المرحلة من 1990 حتى 2006 عندما استقلت. كان مكتبي هو المكتب الإعلامي لـ "التيار". كان خلية نحل نشتغل ليل نهار ونناضل. كنت عضوًا في تسع لجان أبرزها مسؤولية الإعلام. قبلي كان الياس الزغبي الذي حصل خلاف بينه وبين العماد عون.
في انتخابات 2005؟
بالضبط. علمًا أنّه في اجتماع في باريس عام 2004 ذهب نحو 200 من كوادر الـ "التيار" والناشطين وعملوا خلوة في فرنسا، ولكن لم أذهب معهم لأنّ كانت لدي انشغالات هنا. أنا أسّست tayyar.org وكان معي نحو 15 شخصًا كنت مسؤولا عنهم.
من كان يموِّل؟
كل واحد من جيبتو. من يرمي المناشير كان هو يطبعها ويحضّرها. مرّة أنشأنا إذاعة في بلجيكا استأجرناها وكانت تبثّ على الموجة القصيرة حتى يسمعها اللبنانيون، واشترينا أجهزة راديو ووزّعناهاعلى الناس ليتمكّنوا من سماعها. ولكن لم تنجح هذه المحاولة لأنّها لم تكن عملية وفيها صعوبات تقنية. كنّا نموِّل وكنّا مبسوطين وماشي حالنا. "ما كان في خلافات وما كان حدا ساطي على القرار كما سطا بعد عام 2005 ".
لقراءة الجزء الأول من الحوار
يتبع الأربعاء 20 أيار 2026
قصة التشحيل لتسهيل وصول باسيل
تفاهم مع دمشق وخلاف مع المؤسسين