أمل شموني

حسين عبد الحسين... صوت لبناني جريء للسلام مع إسرائيل

4 دقائق للقراءة

"نخب سنوات من النضال المشترك لسلام قريب"، قالها حسين عبد الحسين خلال حفل توقيع كتابه الجديد في العاصمة الأميركية، والذي يروي قصة السلام كما يراها الكاتب. ففي منطقة كثيرًا ما تكبّل فيها المحظورات السياسية والسرديات الموروثة مساحة النقاش العام، يبرز كتاب The Arab Case for Israel And Other Essays from a Distant Conflict بوصفه مداخلة نادرة، وربما تحديًا للبعض. ويقدّم الكتاب، بأسلوب جدلي وتحليل مباشر، منظورًا جديدًا للنقاشات الدائرة حول الصراع العربي الإسرائيلي، المتشابكة بعمق مع المشهد السياسي اللبناني.

ويستند عبد الحسين، وهو صحافي ذو جذور عميقة في لبنان والعراق، إلى رؤية من الداخل وإلى بحث تاريخي واسع ليقدّم حجّة واضحة: فالمصالح العربية، برأيه، لا يخدمها التمسّك بأوهام إلغاء قيام إسرائيل، بل يخدمها الإقرار بوجودها والسعي نحو التطبيع باعتباره خيارًا استراتيجيًا. من هنا، تكتسب رسالته أبعادًا خاصة وحساسة بالنسبة إلى لبنان.


مقدمة أورتاغوس

يُستهل الكتاب بتقديم بقلم مورغان أورتاغوس، نائبة المبعوث الأميركي الخاص السابق إلى الشرق الأوسط، التي تضع عمل عبد الحسين في سياق رؤية أوسع نطاقًا للسلام في المنطقة. وتُقدّم أورتاغوس الكتاب باعتباره حجة دامغة لصالح سلام فوري وغير مشروط مع إسرائيل.

ولا يقتصر تأييد أورتاغوس على المجاملة الدبلوماسية، بل يأتي بوصفه تثبيتًا صريحًا للفكرة المركزية في الكتاب: أنّ التطبيع مع إسرائيل لا ينبغي النظر إليه كخيانة للقضايا العربية، بل كمسار عملي وملحّ نحو الاستقرار الإقليمي.

في قلب جدلية عبد الحسين يقبع تحدّ واضح للسرديات المؤسسة لكل من القومية العربية والإسلاموية. فهو يرى أنّ أيًا من هذين التيارين لم ينجح في إنتاج سيادة فلسطينية قابلة للحياة، ولا في تقديم مسار عملي للمجتمعات العربية. وبدلا من ذلك، يعتبر أنّ جانبًا كبيرًا من السياسة الفلسطينية الحديثة والخطاب العربي العام يركّز على تقويض وجود إسرائيل، على حساب بناء مستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا. وفي نظره، فإنّ هذا المسار بلغ نهايته المسدودة.


نقاش يحتاجه لبنان فعلا

وتبدو كلمات عبد الحسين مباشرة بقدر ما هي مثيرة للجدل: فالمضي إلى السلام، كما يقول، لا يعني خيانة لمعاناة الفلسطينيين أو للكرامة العربية، بل خطوة ضرورية نحو التقدّم الإقليمي. وهو يقدّم السلام مع إسرائيل لا بوصفه تنازلا مترددًا، بل كفرصة تتيح للدول العربية، ومنها لبنان، الاستفادة من عناصر القوة الاقتصادية والتكنولوجية لدى إسرائيل، والانتقال من منطق الصراع الدائم إلى منطق بناء الدولة بصورة عملية.

الكتاب موثّق على نحو كثيف، إذ يجمع بين الخبرة الشخصية والبحث الموسّع. وهذا المزج يمنح حجج عبد الحسين ثقلا يصعب تجاهله، حتى بالنسبة إلى من يختلفون معه جذريًا في النتائج التي يصل إليها. فالكتاب لا يسعى إلى التوازن التقليدي أو إلى التوفيق بين الروايات المتعارضة، كما أنه ليس دراسة أكاديمية محايدة، بل ينطلق ليقدّم أقصى ما يمكن من الحجج دفاعًا عن التحوّل الذي يراه المؤلف مستحقًا ومؤجلا منذ زمن: التعامل مع إسرائيل بوصفها حقيقة إقليمية ثابتة، والبحث في ما يمكن أن يتيحه هذا الواقع من إمكانات جديدة.

بالنسبة إلى القارئ اللبناني، تحمل رسالة الكتاب وقعًا خاصًا، لكنها في الوقت نفسه شديدة الحساسية. فالنظام السياسي اللبناني، والسيادة المنقوصة، والحضور القوي لـ"حزب الله"، جعلت من لبنان واحدة من أكثر ساحات الصراع العربي الإسرائيلي عسكرة ورمزية. ومن هذه الزاوية، تنطوي حجة عبد الحسين على نقد ضمني للميل اللبناني إلى استهلاك قضية إسرائيل كبديل عن القضايا الداخلية المؤجلة، مع دعوة واضحة إلى إعادة الاعتبار للسيادة وسلطة الدولة والمصلحة الوطنية العملية.

ويفرد عبد الحسين مساحة مهمة للحديث عن دور إيران والميليشيات الإسلامية، معتبرًا أنّ حروب الوكالة، في لبنان والعراق واليمن وغيرها، أبقت الدول العربية أسيرة دوامات من العنف، وعطّلت إمكان قيام نظام إقليمي أكثر استقرارًا. وبهذا المعنى، لا يبدو الكتاب مجرد دفاع عن إسرائيل، بقدر ما يبدو دعوة إلى رفض منطق الصراع الدائم واستعادة القرار العربي من أسر المواجهة المفتوحة.

يُقرأ كتاب عبد الحسين لا كتحليل للسياسة الخارجية، بل كنداء جريء إلى البراغماتية في وقت يعيش فيه لبنان أزمة مزدوجة تمسّ الاقتصاد والسيادة معًا. ويطرح الكتاب سؤالا مباشرًا: هل يريد اللبنانيون الاستمرار في وراثة رمزية الصراع، أم الشروع في النظر إلى السلام بوصفه ضرورة داخلية ذات عوائد ملموسة؟

من هنا، يقف كتاب عبد الحسين بوصفه تحدّيًا فكريًا ودعوة مفتوحة للقارئ اللبناني والعربي، لإعادة نقاش المظلومية الموروثة بصيغة جديدة!