مروان الأمين

المفاوضات وفصل المسارين

3 دقائق للقراءة
من جولة المحادثات الثانية

إنّ خطوة الدخول في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل هي المقاربة الأقل كلفة لحماية المصالح اللبنانية، لا سيما لجهة إمكانية الوصول إلى تحقيق انسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلّتها في الجنوب، وعودة الأهالي إلى بلداتهم، وإعادة الإعمار. لكنّ الأهمّ من ذلك كلّه أنّ هذا المسار قد يشكّل فرصة حقيقية لإنهاء استخدام الجنوب اللبناني كساحة لمشاريع خارجية، بما يفتح الباب أمام استقرار دائم، ويوفّر للبنان مظلّة حماية سياسية وأمنية طال انتظارها.

شكّلت الجولة الأخيرة من المفاوضات بين لبنان وإسرائيل، التي انعقدت في واشنطن يومَي 14 و15 أيار، محطة مهمّة في مسار التفاوض بين الجانبين، بسبب فصل المسار الأمني والعسكري عن المسار السياسي. وهذا التطور يُعدّ بحد ذاته مؤشرًا إلى وجود إرادة لدفع المفاوضات نحو تحقيق بعض التقدّم.

تكمن أهمية هذا الفصل في أنّه يحيّد الملف الأمني، الذي شكّل على الدوام العقدة الأساسية أمام أيّ اختراق سياسي محتمل، ما يتيح للمفاوضات السياسية أن تسلك مسارًا أكثر مرونة، بمعزل عن الملفات الأمنية العالقة بين الطرفين. ومن شأن هذا المسار أن يفتح الباب أمام تفاهمات قد تصل إلى مستوى اتفاق سلام أو ترتيبات طويلة الأمد. لكن، من الواضح أيضًا أنّ الاتفاق السياسي، في حال تم التوصّل إليه، سوف يبقى معلّقًا إلى أن تتم معالجة الملف الأمني.

في العمق، ستكشف هذه المقاربة أنّ جوهر الخلاف بين لبنان وإسرائيل ليس مرتبطًا بملفات سياسية أو حدودية معقّدة، بقدر ما يتمحور حول البعد الأمني، وأساسه سلاح "حزب الله"، باعتباره العقدة الأساسية التي تؤثّر على مستقبل الاستقرار والعلاقات بين الطرفين.

في موازاة هذا المسار التفاوضي، تعود الأسئلة كي تُطرح مجددًا حول إرادة كلّ من السلطة السياسية في لبنان وقيادة الجيش في ترجمة القرارات الرسمية إلى وقائع ملموسة على الأرض. فقرار الدخول في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، كما القرارات التي اتخذتها الحكومة، تُعدّ بلا شك خطوات متقدّمة تعكس تحوّلا في مقاربة الدولة للملف السيادي، إلّا أنّ أهمية هذه القرارات تبقى محدودة إذا لم تُرفق بإجراءات تنفيذية واضحة وحاسمة. فالدول لا تُقاس فقط بقدرتها على إصدار المواقف والبيانات، بل بمدى قدرتها على فرض قراراتها وتطبيق سلطتها على كامل أراضيها.

حتى الآن، لم تُظهر لا السلطة السياسية ولا قيادة الجيش أي إرادة حقيقية وجدّية للمضي في تنفيذ هذه القرارات، الأمر الذي يخلق قلقًا حقيقيًا من أن تتحوّل القرارات السياسية إلى مجرد رسائل إعلامية وشعارات ظرفية، من دون أن تؤسس فعليًا لمرحلة جديدة تستعيد فيها الدولة اللبنانية دورها الكامل كمرجعية وحيدة للقرار الأمني والسيادي. فغياب التنفيذ الجدّي لا يهدّد فقط صدقية السلطة أمام الداخل والخارج، بل يضع أيضًا مطالب لبنان في هذه المفاوضات أمام مأزق حقيقي، ويجعل تحقيقها مستحيلا.

في حال استمرّ هذا التردّد، فإنّ لبنان سيكون أمام خطر خسارة فرصة تاريخية للانتقال من موقع الساحة المفتوحة لصراعات الآخرين إلى دولة مستقرة تنعم بالاستقرار والسلام الدائم. والأخطر من ذلك أنّ هذا التعثّر قد يؤدي تدريجيًا إلى تراجع الاهتمام الدولي، ولا سيما الأميركي، بالملف اللبناني، خصوصًا إذا وجدت واشنطن أنّ المسار الأمني متعثّر بسبب غياب الإرادة لمعالجة مسألة السلاح لدى الطرف اللبناني.