خضر نجدي

بين الإبادة والتكتيك السياسي، وقبل فوات الأوان: من ينقذ المجتمع من عقل الحرب والقيادات المعنية من مخبأ التجييش؟

7 دقائق للقراءة

في الأزمنة السابقة، كانت المقارنات بين الحروب والأزمات أكثر بساطة ووضوحاً. فالمجتمعات كانت تتحرك بوتيرة بطيئة، والتحولات السياسية والاجتماعية تحتاج إلى عقود كي تُحدث تبدلات عميقة في الوعي والسلوك والبنى الاقتصادية والثقافية. أما اليوم، فإن المقارنة بين حدث وآخر، أو بين حرب وأخرى، لم تعد عملية جامدة تقوم على استحضار صور الماضي وإسقاطها آلياً على الحاضر، لأن العالم نفسه تغيّر بصورة جذرية. التكنولوجيا، الإعلام الرقمي، وسائل التواصل، الاقتصاد المعولم، سرعة انتقال المعلومات، وتبدّل أشكال السلطة والنفوذ، كلها عوامل جعلت من أي مقارنة تحتاج إلى قدر عالٍ من الحذر والمعرفة والسياق، لا إلى التلقين العاطفي أو الاستدعاء الغريزي للماضي.

ومن هنا، فإن قراءة ما يجري اليوم في ظل الحرب الإسرائيلية وما يرافقها من مآسٍ إنسانية ودمار جغرافي وبشري، لا يمكن أن تقوم فقط على الانفعال أو الاصطفاف الفئوي، بل تحتاج إلى عملية تقييم شاملة توازن بين الإيجابيات والسلبيات والنتائج المحتملة لاستمرار الحرب أو توسعها. وهذه المهمة لا تقع على عاتق العامة من المواطنين، لأن المجتمعات خلال الحروب تصبح أكثر عرضة للانفعال والخوف والتجييش. المسؤولية الأساسية تقع على عاتق من يمتلكون التأثير والقدرة على توجيه الرأي العام: السلطة السياسية، النخب التشريعية، الصحافة، الأدب، الفن، التعليم، والمؤسسات الدينية والثقافية. فهؤلاء لا يملكون فقط أدوات التعبير، بل يمتلكون القدرة على تحويل المزاج العام إلى قوة بناء أو إلى وقود إضافي للانهيار.

وفي المجتمعات الحديثة، لا يُقاس دور النخب فقط بما تقول، بل بكيفية قولها، وبالمعايير الأخلاقية والسلوكية التي تحكم تدخلها في لحظات الأزمات. فالكلمة خلال الحروب قد تعادل أثراً يفوق السلاح أحياناً، لأنها تستند إلى التحفيز العاطفي والخطاب الغرائزي، وتخاطب المخاوف الأولية المرتبطة بالعائلة والطائفة والعشيرة والانتماء الضيق. وحين تغيب الضوابط الأخلاقية، يتحول الخطاب العام إلى ساحة تعبئة جماعية تُقصي المنطق، وتُحاصر أي محاولة للبحث عن حلول أو مخارج أو مساحات للنقاش العقلاني.

ولذلك، فإن كثيراً من الدول والمجتمعات التي واجهت حروباً أو انقسامات داخلية، اضطرت إلى اتخاذ إجراءات تحدّ من تأثير الخطابات التحريضية حفاظاً على المجتمع ككل. ففي الحرب العالمية الثانية فرضت دول أوروبية قيوداً صارمة على الدعاية التي تغذي الكراهية والانقسام الداخلي. وبعد الإبادة الجماعية في رواندا، اعتُبر الإعلام التحريضي أحد العوامل الأساسية التي ساهمت في المجازر، ما دفع السلطات لاحقاً إلى تشديد القوانين المتعلقة بخطاب الكراهية والتعبئة الإثنية. كذلك، خلال حروب يوغوسلافيا، لعب الإعلام القومي والتحريض الهوياتي دوراً مباشراً في تعميق الانقسامات وتحويلها إلى صراعات دامية. هذه التجارب لا تعني تقييد الحريات بقدر ما تؤكد أن المجتمعات أثناء الحروب تحتاج إلى توازن دقيق بين حرية التعبير ومسؤولية الحفاظ على السلم الأهلي ومنع الانهيار الشامل.

لكن المشكلة الأخطر اليوم تكمن في أن أدوات التأثير أصبحت شبه متفلتة من أي ضوابط. فوسائل التواصل الحديثة منحت كل صاحب خطاب قدرة على الوصول الفوري إلى جمهور واسع، من دون معايير مهنية أو أخلاقية أو قانونية واضحة. وهنا يصبح تأثير النخب مضاعفاً، لأن الكلمة المتشنجة أو التحريضية لا تبقى في حدود موقف سياسي، بل تتحول إلى حالة تعبئة جماعية مستمرة، تزرع الكراهية وتمنع التفكير الهادئ، وتُفشل أي مبادرة يمكن أن تساعد في البحث عن تسويات أو حلول توقف المقتلة الدائرة.

ومما يضاعف من الدمار اكثر من الحرب نفسها، ذلك الدور الذي تؤديه بعض الأقلام المعروفة في الأوساط الصحافية والإعلامية، والتي تبدو في كثير من الأحيان منسلخة عن مهارات الربط والتحليل والاستنتاج، فتتعامل مع الوقائع بطريقة لحظوية مغلقة، لا ترى سوى حقيقة واحدة جاهزة ومعلّبة، تُعاد صياغتها وتحويلها إلى مادة تحريضية يومية. وهكذا تتحول الكلمة من مساحة للنقاش والفهم والتفكير النقدي إلى أداة تعبئة نفسية وسياسية لا تمت بصلة إلى مفاهيم الجماعة المعاصرة، ولا إلى ركائز الاجتماع الوطني القائم على فهم الدستور، ومبادئ الدولة الحديثة، وحدود السلطة والمسؤولية، سواء في أوقات الحرب أو في أوقات السلم. فالدول لا تُدار بالغريزة ولا بالانفعال الجماعي، بل بمنطق المؤسسات والمحاسبة والتوازن بين حماية المجتمع وحماية الدولة نفسها من الانهيار الداخلي. والسؤال الأخطر اليوم: كيف يمكن تخفيف أثر هؤلاء، طالما أنهم طليقو اليد واللسان، يمتلكون القدرة على التأثير من دون أي ضوابط أخلاقية أو وطنية أو حتى معرفية، في لحظة لبنانية شديدة الهشاشة يصبح فيها التحريض أخطر من الرصاص نفسه؟

ومن بين أكثر القضايا إثارة للجدل، يبرز دور النخب الموجودة داخل السلطة نفسها، ولا سيما داخل السلطة التشريعية التي يُفترض أنها تمثل الناس وتدافع عن مصالحهم الوجودية. فإلى متى تبقى المبادرة غائبة وكأن ما يجري لا يعنيها؟ وكيف يمكن تفسير صمت أو تردد بعض القوى التي تنتمي إلى البيئات الأكثر تعرضاً للدمار والإبادة الجغرافية والبشرية؟ وهل يحتمل الواقع استمرار التكتيكات السياسية الضيقة في لحظة يصبح فيها مصير المجتمع نفسه على المحك؟

وفي هذا السياق، تبرز مسؤولية رئاسة مجلس النواب بصورة خاصة، ليس فقط بوصفها موقعاً دستورياً يفترض أن يعكس روح الدولة ومؤسساتها، بل أيضاً لأنها تمثل شريحة واسعة من البيئة التي تتعرض اليوم للسحق الجغرافي والبشري والاجتماعي. ومن هنا، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: هل يجوز الاستمرار في إدارة اللحظة التاريخية بمنطق التكتيك والانتظار والحسابات الضيقة، فيما الجماعة نفسها تواجه أخطاراً وجودية متصاعدة؟ إن الجرأة المطلوبة اليوم ليست في رفع منسوب الخطاب أو الاستثمار في العصبيات، بل في اتخاذ موقف عقلاني ومسؤول قبل فوات الأوان، موقف يضع إنقاذ الناس والمجتمع فوق أي اعتبار آخر. فالتاريخ لا يرحم، وغالباً ما تكون مسؤولية القيادات أكبر عندما تعجز عن حماية بيئتها من أخطار الداخل بقدر عجزها عن مواجهة أخطار الخارج. وفي كثير من الأحيان، تصبح الحاجة ملحّة لإنقاذ الجماعة من نفسها، من اندفاعها العاطفي، ومن أسرها داخل خطاب التعبئة الدائمة، قبل الحديث عن إنقاذها من العدو. لأن التفكير العقلاني في لحظات الكارثة ليس ضعفاً أو تراجعاً، بل ربما يكون الشكل الأعلى من أشكال المسؤولية الوطنية والتاريخية.

إن السؤال الملح هنا لا يتعلق فقط بالمواقف السياسية، بل بطبيعة العلاقة بين السلطة والجماعات التي تدّعي تمثيلها. فهل يُنظر إلى الناس باعتبارهم مجتمعاً يجب الحفاظ عليه، أم مجرد جمهور مطلوب منه التأييد والمبايعة مهما كانت النتائج؟ وهل تصبح الخسائر البشرية والاجتماعية مجرد تفصيل يمكن تجاوزه طالما أن أدوات التجييش الطائفي والعائلي ما زالت قادرة على منع المحاسبة وإعادة إنتاج الولاءات نفسها؟

لقد أثبتت تجارب كثيرة أن المجتمعات التي تُدار بمنطق العصبيات الأولية تبقى عاجزة عن بناء دولة حديثة تحمي الجميع ، خصوصا اثناء الأحداث المصيرية والخطرة . فالطائفة أو العائلة أو الجماعة قد تؤمن شعوراً مؤقتاً بالحماية، لكنها لا تستطيع أن تؤسس نظاماً مستقراً يضمن العدالة والمحاسبة والمساواة. وحدها الدولة الحديثة، القائمة على مفهوم الاجتماع العام والمؤسسات والقانون، تستطيع أن تشكل المظلة التي تحمي مختلف الفئات مهما اختلفت انتماءاتها السياسية أو الأيديولوجية أو الطائفية.

ان ما نواجهه خلال الحرب الدائرة ليس فقط الدمار العسكري، بل انهيار القدرة على التفكير العقلاني الجماعي. لأن الحرب لا تصبح كارثة فقط عندما تقتل البشر وتمسح الحجر، بل عندما تُسقط المعايير الأخلاقية والسياسية والثقافية التي تسمح للمجتمع بأن يبقى مجتمعاً، لا مجرد جماعات خائفة ومتقابلة تعيش داخل ساحة مفتوحة على الخراب الدائم.