لا تنتهي الحروب عند إعلان وقف إطلاق النار. فالصمت العسكري لا يعني عودة الحياة الطبيعية تلقائياً، بل تبدأ بعده مرحلة أكثر تعقيداً تتعلق بإعادة بناء البشر قبل الحجر. وفي لبنان، كما في كل مناطق النزاعات، تبقى قضية النازحين واحدة من أخطر التحديات الوطنية والاجتماعية والاقتصادية، خصوصاً عندما تكون إعادة الإعمار طويلة ومكلفة ومرتبطة بتوازنات سياسية وإقليمية معقدة.
اليوم، ومع الحديث عن احتمالات التوصل إلى وقف لإطلاق النار في الجنوب اللبناني، يبرز السؤال الأساسي: ماذا عن عشرات آلاف النازحين؟ وهل تكفي التهدئة العسكرية لإعادتهم إلى قراهم؟ الواقع يقول إن وقف النار قد يوقف الدمار، لكنه لا يعيد فوراً المنازل المهدمة ولا البنية التحتية ولا الشعور بالأمان. ولذلك فإن ملف النازحين يحتاج إلى رؤية وطنية شاملة تتجاوز الحلول المؤقتة أو الخطابات السياسية.
أولاً، يجب الاعتراف بأن العودة الفورية لن تكون ممكنة في كثير من المناطق الحدودية. فهناك قرى تعرضت لدمار واسع في المنازل، والطرقات، وشبكات المياه والكهرباء، إضافة إلى المخاطر المرتبطة بالذخائر غير المنفجرة. وبالتالي فإن أي خطة واقعية يجب أن تقوم على مبدأ “العودة التدريجية الآمنة” وليس العودة العشوائية أو الشعبوية.
المرحلة الأولى من الحل تبدأ بإدارة ملف الإيواء المؤقت بطريقة تحفظ كرامة الناس. فالكثير من العائلات تعيش اليوم في مدارس أو مراكز غير مجهزة أو في منازل مستأجرة تفوق قدرتها المالية. هنا تصبح الدولة مطالبة بإنشاء صندوق وطني للطوارئ بالتعاون مع المؤسسات الدولية والقطاع الخاص لتغطية بدل السكن والمساعدات الأساسية لفترة انتقالية قد تمتد لأشهر أو حتى سنوات في بعض المناطق.
لكن المساعدة المالية وحدها ليست كافية. فالنازح لا يحتاج فقط إلى سقف فوق رأسه، بل يحتاج أيضاً إلى الاستقرار الاجتماعي والتعليمي والنفسي. الأطفال الذين انقطعوا عن مدارسهم يحتاجون إلى خطط دعم تربوية خاصة، والجامعات مطالبة بتقديم تسهيلات للطلاب المتضررين، كما أن الدعم النفسي أصبح ضرورة حقيقية بعد التجارب القاسية التي عاشتها العائلات تحت القصف والخوف والنزوح.
أما على المستوى الاقتصادي، فإن أخطر ما قد ينتج عن طول أمد النزوح هو خلق بيئات فقر دائمة. لذلك يجب الانتقال من مفهوم “الإغاثة” إلى مفهوم “التمكين الاقتصادي”. ويمكن للدولة بالتعاون مع البلديات والمنظمات الدولية إطلاق برامج عمل مؤقتة للنازحين في مجالات إعادة التأهيل، والتنظيف، والبنى التحتية، والزراعة، والخدمات المحلية. فبدل أن يتحول النازح إلى متلقٍ دائم للمساعدات، يصبح جزءاً من عملية إعادة بناء مجتمعه.
وفي المناطق التي يصعب العودة إليها سريعاً، يمكن التفكير بحلول سكنية انتقالية منظمة، مثل إنشاء مجمعات سكنية مؤقتة مجهزة بالبنى الأساسية، بدلاً من الفوضى الحالية. لكن هذا الخيار يجب أن يكون مضبوطاً زمنياً وواضحاً كي لا يتحول إلى واقع دائم كما حدث في تجارب نزوح أخرى في المنطقة.
كذلك لا يمكن فصل ملف النازحين عن ملف إعادة الإعمار الشامل. فإعادة الإعمار ليست مجرد إعادة بناء أبنية، بل هي إعادة بناء الثقة بالدولة. والمشكلة الأساسية في لبنان أن المواطنين فقدوا الثقة بقدرة المؤسسات الرسمية على إدارة الأزمات بشفافية وكفاءة. لذلك فإن أي خطة إعمار يجب أن تقوم على إدارة مستقلة وشفافة تخضع لرقابة داخلية ودولية، كي لا تتحول أموال المساعدات إلى باب جديد للهدر والفساد.
ومن المهم أيضاً أن تكون الأولوية في إعادة الإعمار للمناطق السكنية والخدمات الأساسية قبل المشاريع السياسية أو الدعائية. الناس تحتاج إلى منازل، ومستشفيات، ومدارس، وكهرباء، ومياه، قبل أي شعارات أو استعراضات إعلامية. فكرامة المواطن تبدأ من قدرته على العودة إلى حياة طبيعية.
وفي هذا السياق، يبرز دور البلديات والمجتمع المدني كعنصر أساسي في إدارة المرحلة المقبلة. فالسلطات المحلية غالباً أقدر على معرفة احتياجات السكان من الإدارة المركزية البعيدة. ويمكن إنشاء لجان محلية تضم البلديات والهيئات الأهلية والخبراء لمتابعة ملفات العودة والإعمار وتحديد الأولويات وفق احتياجات كل منطقة.
أما سياسياً، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث هو تحويل معاناة النازحين إلى مادة للاستثمار السياسي أو الطائفي. فالحروب في لبنان غالباً ما تنتج انقسامات إضافية، وهناك دائماً من يحاول استخدام المساعدات أو إعادة الإعمار لتعزيز النفوذ السياسي أو الحزبي. لذلك يجب التأكيد أن النازحين هم مواطنون لبنانيون أولاً، وأن التعامل معهم يجب أن يكون على أساس المواطنة لا الولاء السياسي.
كذلك فإن المجتمع الدولي سيكون أمام اختبار حقيقي. فالدول الكبرى غالباً ما تضغط للوصول إلى وقف إطلاق النار، لكنها لا تواكب دائماً مرحلة ما بعد الحرب بالجدية نفسها. وإذا تُرك لبنان وحيداً أمام أعباء النزوح والإعمار، فإن ذلك قد يؤدي إلى انفجار اجتماعي واقتصادي جديد. لذلك تحتاج الدولة اللبنانية إلى خطة دبلوماسية واضحة لحشد الدعم العربي والدولي لإعادة الإعمار وربط هذا الدعم بإصلاحات حقيقية تعيد الثقة الخارجية بلبنان.
وفي النهاية، يجب الاعتراف بأن إعادة الإعمار في لبنان قد تستغرق سنوات، خصوصاً في ظل الانهيار المالي الحالي. لكن طول المرحلة لا يعني الاستسلام للفوضى. المطلوب رؤية وطنية تقوم على ثلاث ركائز: حماية كرامة النازحين، إعادة بناء الدولة، ومنع تحويل الحرب إلى أمر واقع دائم.
فالنازح لا يريد فقط العودة إلى منزله، بل يريد العودة إلى دولة تحميه، واقتصاد يسمح له بالعيش، ومستقبل لا يهدده نزوح جديد بعد سنوات قليلة. ومن هنا فإن التحدي الحقيقي ليس فقط في وقف إطلاق النار، بل في بناء سلام داخلي مستدام يمنع تكرار المأساة نفسها جيلاً بعد جيل.