الملف اللبناني يُفخّخ طريق التفاهم الأميركي - الإيراني

6 دقائق للقراءة
أكد ترامب أنه "لا يبالي إطلاقًا" باحتمال انهيار المفاوضات مع إيران (رويترز)

شهدت المفاوضات الأميركية - الإيرانية يومًا عصيبًا أمس، إثر إعلان طهران تعليق المحادثات حول مذكرة التفاهم مع واشنطن، وتهديدها بإسقاط الهدنة الهشّة، على خلفية توعّد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بقصف ضاحية بيروت الجنوبية، إلّا أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب تدخّل عبر اتصال هاتفي مع نتنياهو، أكد بعده أن تل أبيب لن "ترسل قوات" إلى بيروت، ولن تهاجم "حزب الله"، الذي قال ترامب إنه وافق بدوره على عدم مهاجمة إسرائيل. وبعد دقائق، أفاد الرئيس الأميركي بأن المحادثات "تتواصل، بوتيرة سريعة، مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية"، بينما تبادلت واشنطن وطهران قبيل ذلك الضربات للمرّة الثانية في أقلّ من أسبوع. وأوضح نتنياهو لاحقًا أنه أكد لترامب أنه إذا لم يوقف "حزب الله" هجماته على مدننا ومواطنينا، فستهاجم إسرائيل أهدافًا في بيروت.

ويأتي ذلك بعدما كان ترامب قد تحدّث عن أنه "لا يبالي إطلاقًا" باحتمال انهيار المفاوضات مع إيران، موضحًا أنه يعتقد أن المحادثات المطوّلة "بدأت تصبح مملّة جدًا". وجزم بأنه غير قلق في شأن أسعار النفط، معتبرًا أن الأميركيين الذين يدركون أهمية وقف طموحات إيران النووية لن يمانعوا ارتفاع أسعار البنزين نتيجة الحرب. وبعدما كانت إيران قد أعلنت وقف المحادثات مع أميركا على خلفية التصعيد في لبنان، قال ترامب: "إذا كانوا لا يريدون التحدّث، فهذا لا بأس به بالنسبة إليّ، أعتقد أنه جيّد، أنا لا أريد التحدّث كثيرًا أيضًا"، لافتًا إلى أن "هذا لا يعني أننا سنذهب ونبدأ بإلقاء القنابل في كلّ مكان هناك"، فيما تعهّد بأنه "سنُبقي الحصار" على إيران. وذكرت القيادة المركزية الأميركية أنها أعادت توجيه 121 سفينة تجارية، وعطّلت خمس سفن لضمان الامتثال للحصار.

في المقابل، كان وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي قد أكد أن وقف النار بين بلاده وأميركا "يُعدّ، من دون أي لبس، وقفًا شاملا لإطلاق النار في كافة الجبهات، بما في ذلك لبنان"، معتبرًا أن "انتهاك هذا الوقف في أي من الجبهات يُعدّ انتهاكًا له في كافة الجبهات". ورأى رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف أن "الحصار البحري وتصعيد جرائم الحرب في لبنان من جانب النظام الصهيوني الإبادي يشكّلان دليلا واضحًا على عدم امتثال أميركا لوقف النار"، محذّرًا من أن "لكلّ خيار ثمن، وموعد دفع الفاتورة آتٍ". وتوعّد قائد "فيلق القدس" إسماعيل قاآني بأن "عمليات إسرائيل في لبنان وغزة ستقود المقاومة إلى مساواة وضع المرور في مضيق باب المندب بمضيق هرمز".

وأفادت هيئة استخبارات "الحرس الثوري" بأن "إيران تعتبر تجاوز الخطوط الحمراء في لبنان وغزة بمثابة حرب مباشرة"، معربة عن عزمها "على تنفيذ عمليات دفاعية عبر اتّخاذ إجراءات ذات مغزى وفتح جبهات جديدة، فضلا عن الحفاظ على معادلة مضيق هرمز". وجزمت وكالة "تسنيم" الإيرانية بأن إيران ستواصل إغلاق هرمز، وستقوم مع حلفائها بـ "تفعيل جبهات أخرى، بما في ذلك مضيق باب المندب". وتوعّد مقرّ "خاتم الأنبياء" المركزي، تعليقًا على إصدار إسرائيل تحذيرًا بإخلاء السكان في مناطق من بيروت، بأنه "في حال تنفيذ هذا التهديد، سيتمّ إصدار تحذير إلى سكان المناطق الشمالية والمستوطنات العسكرية في إسرائيل"، داعيًا إيّاهم إلى مغادرة المنطقة إذا كانوا لا يريدون التعرّض للأذى.

وكانت القيادة المركزية الأميركية قد أكدت أنها اعترضت أمس بنجاح صاروخين باليستيين إيرانيين كانا يستهدفان القوات الأميركية المتمركزة في الكويت، بعدما نفّذت القوات الأميركية ضربات دفاعية ضدّ مواقع رادار ومواقع قيادة وسيطرة إيرانية خاصة بالطائرات المسيّرة في غورك وجزيرة قشم يومَي السبت والأحد، ردًا على إسقاط طهران طائرة مسيّرة أميركية من طراز "أم كيو 1" كانت تعمل فوق المياه الدولية. وأوضحت واشنطن أن المقاتلات الأميركية ردّت سريعًا عبر تدمير دفاعات جوية إيرانية، ومحطّة تحكّم أرضية، وطائرتين مسيّرتين هجوميتين أحاديتي الاتجاه كانتا تشكّلان تهديدات واضحة للسفن العابرة في المياه الإقليمية.

وفي مؤشر إلى الخطر المستمرّ على الملاحة في الخليج، أفادت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية بوقوع انفجار في سفينة شحن في الخليج قبالة جنوب العراق بعد إصابتها بـ "مقذوف مجهول". وفي وقت لاحق، أفادت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية في تحديث بأنها "تلقّت بلاغًا بإصابة السفينة مرّة ثانية، ما أدّى إلى اندلاع حريق تمّ إخماده" في ما بعد.

في الأثناء، أفادت مصادر ومحلّلون لوكالة "رويترز" بأن إيران تسعى، من خلال مذكرة التفاهم الجاري نقاشها، إلى التوصّل إلى اتفاق موَقت محدود مع أميركا في محاولة لتخفيف الضغوط الاقتصادية المتزايدة ولكي تستقرّ الأوضاع الداخلية، مع تجنّب تقديم تنازلات كبيرة في شأن برنامجها النووي. وتعمل إيران على إنهاء الأعمال العدائية على كلّ الجبهات، والحصول على مليارات الدولارات من عائدات النفط، وإعفاءات من العقوبات المتعلّقة بتصدير النفط الخام، ورفع الحصار الأميركي، واستمرار سيطرتها على المضيق، مع تأجيل البتّ في القضايا الأكثر حساسية. وأوضح أحد المصادر أن اتفاقًا محدودًا سيعيد فعليًا الأوضاع نفسها التي كانت قبل الحرب، من دون إجبار إيران على الرضوخ لمطالب واشنطن.

دبلوماسيًا، دانت السعودية والإمارات وقطر والبحرين وسوريا ومصر وغيرها من الدول والمنظمات الهجمات الإيرانية على الكويت. وشددت الرياض على "رفضها القاطع لهذه الاعتداءات التي تمسّ سيادة الكويت"، مؤكدة تضامنها مع الكويت، ودعمها الكامل لكلّ ما تتخذه من إجراءات تحفظ سيادتها وأمنها واستقرارها. وأكد المستشار الدبلوماسي للرئيس الإماراتي أنور قرقاش أنه "نقف مع الكويت الشقيقة قلبًا وقالبًا، ونؤكد أن أمنها من أمننا، وأن هذه الاعتداءات الخطرة تمثّل تهديدًا مباشرًا للمنطقة واستقرارها".

في الغضون، أجرت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس محادثات مع رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف ووزير الخارجية إسحاق دار في إسلام آباد، حيث أكدت كالاس أن الوساطة الباكستانية بين واشنطن وطهران ساهمت في منع العودة إلى حرب شاملة، مبدية استعداد الاتحاد الأوروبي للمساهمة في حلّ مستدام وسلمي. وأوضحت أنه "نمتلك نفوذًا اقتصاديًا، وخبرة نووية اكتُسبت بصعوبة، وعلاقات طويلة الأمد مع شركاء خليجيين، وانخراطًا مباشرًا مع إيران نفسها".

إلى ذلك، أكدت رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي أنها أجرت اتصالا هاتفيًا مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، طالبته خلاله "مجددًا وبشدّة بأن تتمكّن سفن كافة الدول، بما في ذلك اليابان والدول الآسيوية، من المرور بحرّية وأمان عبر مضيق هرمز في أقرب وقت ممكن". وذكرت أن بزشكيان قدّم شرحًا لموقف الجانب الإيراني، بما في ذلك الآفاق المستقبلية، مشيرة إلى أنه "على هذا الأساس، اتفقنا على مواصلة التواصل الوثيق في المرحلة المقبلة".