جلس أوليفر لاشه (Oliver Laxe) في أحد مقاهي شارع مار مخايل، كأنه خارج للتوّ من أحد أفلامه. قامته الطويلة، متران تقريبًا، تفرض حضوره فورًا، لكن الهدوء الذي يحيط به، ولطفه في الحديث، ورقّته في التعامل، سرعان ما تجعلك تنسى هذا التفصيل الشكلي. في هذا اللقاء الخاص مع "نداء الوطن"، لم يتحدَّث المخرج والكاتب الإسباني - الفرنسي عن فيلمه الأخير "Sirāt" (صراط) فحسب، بل عن الموت والعبور والخسارة والإيمان، وهي الموضوعات نفسها التي تُشكّل جوهر عالمه السينمائي.
في عالم أوليفر لاشه، لا تُصنع الأفلام بقدر ما تُعاش. المخرج الذي تنقَّلت تجربته بين المغرب وأوروبا، رسّخ خلال سنوات قليلة واحدًا من أكثر المسارات الإبداعية فرادة في السينما المعاصرة. لا ينظر إلى أعماله بوصفها أفلامًا متجاورة تُشكّل مشروعًا متكاملا، بقدر ما يراها محطات في رحلة شخصية من التحوّل المستمر. حين يُسأل عن الخيط الذي يصل بين أفلامه، من "You All Are Captains" إلى "Mimosas" و "Fire Will Come" وصولا إلى "Sirāt"، يرفض لاشه فكرة النظر إلى مُنجزه ككتلة واحدة. بالنسبة إليه، هو يتغيَّر مع كل فيلم، يموت ويولد من جديد في كل تجربة. لكن ثمّة ما يتكرّر دائمًا: فكرة الرحلة... رحلة جسدية تعبر الجبال والطرق والصحارى، وأخرى ميتافيزيقية تبحث في المعنى والوجود والمصير.
يرى لاشه أنّ الصورة السينمائية قادرة على أن تكون كائنًا حيًّا، وأنّ السينما، في جوهرها، فعل روحي. المشكلة، كما يقول، أنّ معظم الصور المعاصرة فقدت حياتها وأصبحت صورًا ميّتة، وبالتالي فقدت قدرتها على إنتاج الروحانية. لذا تحتلّ فكرة الموت مكانة مركزية في أفلامه، لا بوصفها نهاية، بل بوصفها مواجهة ضرورية مع الحقيقة. فالغرب، بحسب رأيه، يعيش في حالة هروب دائم من الموت، بينما يحاول هو أن يتأمّل هذه النهاية باستمرار، وأن يختبرها عبر صناعة الأفلام نفسها.
من هنا، يُفضّل أوليفر لاشه وصف أعماله بأنها "Easterns" بدلا من "Westerns". فالاتجاه، بالنسبة إليه، ليس جغرافيًّا فقط، بل روحي أيضًا. الشرق، بمعناه الفيزيائي والميتافيزيقي، يمثّل فضاءً لإعادة اكتشاف الذات وتوسيع النظرة إلى العالم. ولهذا يبدو فيلم "Sirāt" أقرب إلى طقس عبور منه إلى فيلم بالمعنى التقليدي. هو دعوة جماعية إلى اختبار فكرة الفناء من أجل الوصول إلى شكل آخر من الحياة.
مفهوم الفقدان
خلال حديثنا المطوّل مع لاشه، يتوقف عند مفهوم الفقدان. بالنسبة إليه، الحياة نفسها ليست سوى سلسلة من الخسارات المتعاقبة، والإنسان يحتاج إلى التدرُّب على الفقد كما يتدرّب على أي مهارة أخرى. فتعلُّم الموت، أو بالأحرى تعلُّم قبول الموت، هو ما يسمح لنا باستقبال الرحيل بكرامة، والتصالح مع مغادرة الأحبَّة.
هذا التصوّر ينعكس أيضًا في اختياره عالم حفلات الـ "Rave" الرحّالة خلفية لفيلمه "Sirāt". فالعمل، كما يؤكد مخرجه، ليس شريطًا عن ثقافة الرقص الإلكتروني بحدّ ذاتها، لكنه وجد في هذه الجماعات شيئًا يشبهه. ما يجذبه إليها هو إدراك أفرادها أنّ العالم الغربي الحالي غير قابل للاستمرار، ورغبتهم في البحث عن مسارات بديلة. كما يلفته حضور الألم في وجوههم، ذاك الشرخ الداخلي الذي لا يسعون إلى إخفائه.
يستعيد هنا مقولة جلال الدين الرومي، أنّ القلوب المكسورة هي الأجمل لأنّ الضوء يعبر من خلال شقوقها. بالنسبة إلى لاشه، لا يمكن للإنسان أن ينضج من دون أن يسكن جراحه. لذلك يهتم بالوجوه الصامتة والممزقة لهؤلاء، ويرى في رقصهم الجماعي استعادةً لطقوس إنسانية قديمة كانت تسمح للناس بتفريغ طاقتهم والعبور نحو حالات من التطهُّر الجماعي، وهي طقوس يعتقد أنّ الغرب الحديث فقدها.
أما عنوان فيلمه، فقد جاء متأخّرًا نسبيًّا. قبل أشهر قليلة من عرضه في "مهرجان كان"، شاهد شاعر مغربي صديق له العمل، وقال ببساطة: اسم الفيلم هو "Sirāt". عندها شعر لاشه أنّ العنوان وجد طريقه أخيرًا إلى الفيلم. ورغم التحفظات التجارية على اسم قد يبدو غامضًا بالنسبة إلى جمهور واسع، فإنه تمسَّك به. يعجبه أيضًا ذلك التداخل الثقافي الذي يحمله الاسم، إذ يرتبط في المخيال الإسلامي بجسر العبور بين الجنة والنار، فيما تعود جذوره اللغوية البعيدة إلى الكلمة اللاتينية "Strata" التي تعني الطريق. ولاشه، الذي يصف نفسه بأنه ابن فضاءات متعددة بين غاليسيا في إسبانيا وفرنسا والمغرب، يرى في هذا التداخل الثقافي جوهر الهوية المتوسطية نفسها، وجوهر الثقافة اللبنانية أيضًا، بين الاختلاط والضيافة والتعدُّد.
كيف نموت؟
في "Sirāt"، لا تحضر فكرة الاختفاء بقدر ما تحضر فكرة العبور. فالمخرج لا يؤمن بأنَّ الموت إلغاء للوجود. ضمن الرؤية الروحية التي يتبنّاها، الموت ليس مشكلة بحد ذاته، بل السؤال الحقيقي هو: كيف نموت؟ لذلك يتحوّل الفيلم إلى طقس انتقال تتبدَّل خلاله الشخصيات تحت ضغط المحن والعوائق التي تواجهها. وحتى أكثر التجارب قسوةً يمكن أن تتحوّل، في نظره، إلى شكل من أشكال الرحمة أو البركة.
هذا الإيمان يمتد إلى نظرته للعالم نفسه. لاشه لا يؤمن بالصدفة، ولا يرى الكون فوضى عمياء. هناك، في رأيه، ذكاء خفي يربط الأشياء بعضها ببعض. يستشهد بحكايات صوفية تتحدث عن الإنسان كقطار يسير على سكّة مرسومة سلفًا، فيما تكمن حريته الوحيدة في الطريقة التي يختار بها خوض الرحلة. قبول ما تمنحه الحياة هو الطريق إلى التحرُّر، أمّا مقاومة ما لا يمكن تغييره فلا تقود إلا إلى مزيد من المعاناة. لهذا يصف الأزمات الشخصية بأنها هبات متنكّرة. فالإنسان لا يبدأ بمراجعة نفسه إلا عندما تهزّه الحياة بعنف. الأزمات تدفعنا إلى النظر إلى الداخل وطرح الأسئلة الحقيقية حول معنى وجودنا ومسارنا الشخصي، ويعتقد أنّ "Sirāt" يفعل الأمر نفسه مع مشاهديه. فهو لا يطلب منهم أن يحبّوه أو يكرهوه، بل أن يختبروا أثره في أعماقهم. ورغم أنّ الفيلم مشبع بإحساس النهاية الوشيكة، فإن لاشه لا يتحدَّث عن نهاية العالم بقدر ما يتحدَّث عن تحوّل تاريخي كبير. العالم، في نظره، يعيش مرحلة انتقالية عميقة، فيما تبدو شخصيات الفيلم وكأنها تستعد لهذا التغيير. لذلك يشعر بأن العمل يحمل قدرًا من الأمل رغم قتامته الظاهرية. فالشخصيات التي عبرت التجارب القاسية تصل في النهاية إلى شكل من السكينة والتجرّد، وكأنّ الحياة، بعد كل ما فعلته بها، منحتها أخيرًا القدرة على التصالح مع نفسها.
نسأل أوليفر لاشه في ختام حديثنا معه عن الذكاء الاصطناعي، فيبدو الكاتب والمخرج أقل قلقًا ممّا قد يتوقّعه البعض. يقول ضاحكًا إنه يؤمن بـ"IA" أخرى: الذكاء الأجدادي (Intelligence Ancestrale) لا الذكاء الاصطناعي (Intelligence Artificielle). بالنسبة إليه، تبقى التجربة الإنسانية غير قابلة للاستنساخ، لأنّ الآلة لا تعرف الخوف من الموت ولا تختبر هشاشة الوجود. ولهذا لا يستطيع أي نظام اصطناعي أن ينتج القصيدة نفسها التي يكتبها إنسان يواجه مصيره. بل يرى لاكشه أنّ انتشار هذه التقنيات قد يعيد تذكير البشر بما يميزهم فعلا: إنسانيتهم.
أمّا مشروعه المقبل، فيكتفي بالإشارة إليه بوصفه فيلمًا من الخيال العلمي، قبل أن يطلق تحذيرًا مازحًا لعشاق السينما: "خلال أربع أو خمس سنوات، سيصل نيزك إلى كوكب السينما". يضحك، ثم يضيف بنبرة أكثر جدية: "لدينا الوقت لنستعد، ولبناء قلوب محبَّة، وللتحلّي بالشجاعة".
لا تفوّتوا فرصة مشاهدة "Sirāt" (صراط)، أحد أروع الأفلام التي تغيّر طريقة نظرنا إلى السينما والحياة معًا، ابتداءً من الأحد المقبل، حصريًا في "سينما متروبوليس" - مار مخايل، بيروت.