لم يخرج لبنان من نظام “الملل” الذي أسسته الدولة العثمانية، حتى بعد سقوط السلطنة وقيام دولة الاستقلال. فذلك النظام لم يكن مجرد تنظيم ديني للطوائف، بل طريقة كاملة لإدارة المجتمعات عبر ربط كل جماعة بحامٍ خارجي يمنحها القوة والحماية والنفوذ مقابل الولاء السياسي.
وقد تبلور نظام الملل بشكل واضح في عهد السلطان محمد الفاتح، بعد أن أدرك العثمانيون أنهم باتوا يحكمون إمبراطورية واسعة متعددة الأديان والقوميات، فاعتمدوا نموذجاً يقوم على منح كل طائفة استقلالاً واسعاً في شؤونها الدينية والاجتماعية والقضائية، مقابل الولاء للسلطنة والحفاظ على الاستقرار.
في بداياته، بدا هذا النظام متقدماً مقارنة بأوروبا التي كانت تغرق في الحروب الدينية. فصحيح أن الناس لم يكونوا مواطنين متساوين في الحقوق، لكنهم حصلوا على الحد الأدنى من الحرية كجماعات منفصلة، لكل منها مرجعيتها الدينية ومصالحها وشبكاتها الخاصة.
ومع مرور الزمن، تحولت الملل إلى كيانات سياسية شبه مستقلة، وبدأت القوى الخارجية تتسلل عبرها إلى داخل المشرق. فأصبحت فرنسا تعتبر نفسها “حامية” للموارنة في لبنان، بينما نسجت بريطانيا علاقات وثيقة مع الدروز وجماعات أخرى، فيما لعبت روسيا القيصرية دور الحامي للأرثوذكس، أما السنّة فكانوا يعتبرون أنفسهم مواطنين في الدولة العثمانية.
في جبل لبنان، ترسخت هذه المعادلة بشكل أكثر وضوحاً من بقية الولايات العثمانية. فالموارنة، بعد أحداث القرن التاسع عشر، أصبحوا بشكل علني تحت المظلة الفرنسية، سياسياً وثقافياً وتعليمياً وتجارياً، حتى أصبح السواد الأعظم منهم يرى في باريس ضمانة للوجود والدور والمستقبل.
في المقابل، ارتبط الدروز، بزعامة آل جنبلاط، أكثر بالنفوذ البريطاني، خصوصاً في مرحلة الصراع الدولي على المشرق. كانت لندن تنظر إلى المنطقة كجزء من توازنات الإمبراطورية، فيما وجد الشيخ بشير جنبلاط في العلاقة مع الإنكليز وسيلة لمواجهة التمدد الماروني ـ الفرنسي في جبل لبنان.
هذا النظام بنى، على مدى قرون، جماعات تبحث عن “راعٍ خارجي” يحميها من الجماعات الأخرى، وقد ترسخ ذلك في نظام متصرفية جبل لبنان وصولاً إلى انهيار السلطنة العثمانية. وبالرغم من التغييرات الجذرية في العقيدة الفرنسية بعد نجاح الثورة الفرنسية وموجة العداء للكاثوليك، فإن من غرائب الصدف أن هذا الأمر لم يؤثر على علاقة فرنسا العلمانية بموارنة لبنان.
بعد هزيمة العثمانيين، تمكن الموارنة من إعلان لبنان الكبير بحدوده الحالية بدعم فرنسي واسع، وكان حضور الطوباوي البطريرك الياس الحويك مؤتمر فرساي رسالة واضحة تشرح عمق العلاقة الاستراتيجية بين الموارنة وفرنسا.
بعد الاستقلال، بدا وكأن لبنان يملك دولة حديثة ومؤسسات دستورية، لكن البنية العميقة للمجتمع بقيت محكومة بمنطق الملل والرعايات الخارجية. ومع كل تحول إقليمي، كانت “الملل” تعيد تموضعها حول قوة خارجية جديدة لتحسين موقعها الداخلي.
في الخمسينيات والستينيات، انجذب السواد الأعظم من الشارع السني إلى المشروع القومي العربي بقيادة جمال عبد الناصر، الذي بدا آنذاك رمزاً للصعود العربي في مواجهة إسرائيل. تحولت الناصرية إلى مرجعية سياسية وعاطفية لشرائح واسعة من السنّة في لبنان، وانعكس ذلك مباشرة على الحياة السياسية الداخلية، مما تسبب بثورة 1958.
ثم جاءت مرحلة منظمة التحرير الفلسطينية بقيادة ياسر عرفات، حيث انتقلت قطاعات واسعة من البيئة السنية إلى احتضان القضية الفلسطينية بوصفها امتداداً للهوية السياسية العربية، واعتبار منظمة التحرير الجيش الذي يحمي السنّة في لبنان. ومع ضعف الدولة اللبنانية وصعود السلاح الفلسطيني، دخل لبنان عملياً مرحلة اختلال عميق في توازناته الداخلية، مما تسبب بحرب 1975.
لاحقاً، وبعد اتفاق الطائف وصعود النفوذ الخليجي، انتقل الثقل السياسي السني تدريجياً نحو السعودية، التي أصبحت الراعي الإقليمي الأكبر للقيادات السنية اللبنانية، سياسياً ومالياً وإعلامياً.
أما الشيعة، الذين عاشوا طويلاً على هامش الشرق منذ أن أسقط صلاح الدين الدولة الفاطمية، فقد استخدمت الدولة العثمانية بعض العائلات والعشائر الشيعية بين الحين والآخر لضبط التوازنات الداخلية في لبنان واستخدمتهم الثورة العربية ضد الفرنسيين عند إعلان لبنان الكبير مما جعلهم يدفعون الثمن الغالي. حديثا ارتبطت حركة أمل بقيادة نبيه بري، بعد تغييب الإمام الصدر، بسوريا حافظ الأسد بينما جاء التحول الأكبر مع الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، حين ظهر نموذج حزب الله الذي جمع بين العقيدة الدينية والتنظيم العسكري والمشروع الإقليمي. ومنذ ذلك الوقت، أصبح النفوذ الإيراني المظلة الأساسية للقوة الشيعية الصاعدة في لبنان.
المشكلة أن هذا المسار لم يكن مجرد تبدّل تحالفات سياسية، بل استمراراً للبنية القديمة نفسها التي ورثها المشرق عن العثمانيين: الملة تعيش في حالة خوف من الملل الأخرى، فتبحث عن قوة خارج الحدود لتحميها، فيما تتحول الدولة إلى ساحة توازن بين الرعايات الخارجية، لا إلى وطن نهائي لمواطنيه.
وهكذا، يمكن القول إن لبنان لم يغادر فعلياً نظام الملل العثماني. تبدلت أسماء الإمبراطوريات، وتغيرت العواصم الراعية، لكن الفكرة بقيت نفسها: جماعات تخاف من بعضها، وزعماء يستمدون قوتهم من الخارج أكثر مما يستمدونها من العقد الوطني الداخلي.
ولهذا يبدو السؤال اللبناني اليوم أعمق من مجرد إصلاح سياسي أو تعديل دستوري. فالتحدي الحقيقي هو: هل يستطيع لبنان أن يتحول من نظام الملل إلى دولة يؤمن جميع أبنائها بنهائيتها، ويشعرون أن حمايتهم تأتي من القانون لا من السفارات والمحاور؟