المحامي محمد آصف ناصر

البجعة السوداء

9 دقائق للقراءة

يقول الفيلسوف اللبناني نسيم نقولا طالب في مطلع كتابه البجعة السوداء: "قبل اكتشاف أستراليا، كان أهل العالم القديم على يقينٍ لا يتزعزع بأنّ جميع البجع أبيض، يقينٌ بدا عصيًّا على الدحض لأنه كان، في ظاهره، مؤيَّدًا بما لا يُحصى من الشواهد التجريبية. غير أنّ ظهور أول بجعة سوداء لم يكن مجرّد مفاجأة عابرة لثلة من علماء الطيور أو لمن يعنيهم لون الريش؛ فليست هذه هي دلالة الحكاية. إنّها تكشف حدًّا بالغًا في قدرتنا على التعلّم من الملاحظة والخبرة، وتفضح هشاشة ما نعدّه معرفة. فملاحظة واحدة—واحدة فحسب—قادرة على أن تنقض حكماً عامًا صاغته آلاف السنين من مشاهداتٍ متكرّرة لملايين البجع الأبيض. وكلّ ما احتاجه الأمر هو طائر واحد، أسود اللون (وقبيح كما يُقال)، ليقلب ذلك الاعتقاد رأسًا على عقب".

يتابع الفيلسوف ليسرد كيف كانت الحرب الاهلية اللبنانية بجعة سوداء بالنسبة إليه، ويصب في سياقه الفلسفي الفريد أثرا حقيقيا فكريا نتج عن صدمة الوعي التي ولَّدتها الحرب الاهلية اللبنانية ويروي فيها الوعي بين عالمين عالم ما قبل الخراب وعالم ما بعد الخراب.

لكن ما اعتبره الفيلسوف في فتوته بجعة سوداء لم يكن سوى نتيجة طبيعية لاتفاق القاهرة 1969، وتفاهمات ملقرت في أيار 1973، فقصور الوعي عن تفاصيل ودقائق تجري وعدم الالمام بالهندسة القائمة لا يعني انتفاءها، فجهلك بوجود الشيء لا ينفيه.

الإشكالية التي تواجه الوعي الجمعي تتلخص بجهل ضوابط الاقتصاد العالمي، الذي سلك في القرنين الماضيين مسلكا وعرا في الانتقال من العصر الزراعي إلى العصر الصناعي، ثم المالي وصولا إلى الرقمنة والذكاء الاصطناعي.

في 16/11/2024 انتهت الحرب وانتهى معها مشروع الحزام والطريق وحل محله الــG2، فدخلنا في بيكين في 13/05/2026 زمنَ الاقتصاد الرقمي والـPax Silica وضرورات استقرار الشرق الأوسط في الأعوام الأخيرة من عمر الوقود الاحفوري، خمسون عام يسعى على أعتابها، من بقي، لأن يضمن دورًا على خشبة المسرح، ولهذا يجب أن تنزع رداء الامس وأن تخطو فوق جراحك وشعاراتك وإلا سيدهسك القطار.

من أجل هذا يلقي بائعو الأوهام بنا جميعًا تحت عجلات القطار ليضمنوا مكانا لهم في إحدى مقصوراته، فالزمكان لا يسعنا معًا، فإما استقرار "بواخر دين براون" وإما استقرار "سلم حيرام".

الفكر العقائدي يجنح إلى الحل الأول فلا حقيقة سوى حقيقته ويعتمد منهجية افتراس الآخر والبقاء للأقوى، أما منهاج سلم حيرام فيتأسس على تكامل الفلورا Flora ويعتنق مبدأ البقاء للأصلح.

بناء على ما تقدّم يمكننا أن نستوعب لماذا قرر الإسلام السياسي هتك اتفاقية وقف إطلاق النار التي نسجها "رجل الظل" السيد عبد الله صفي الدين مع الاميركيين عبر القنوات الخلفية.

المفاوضات وألغام الكلام

خلال المفاوضات تم الاتفاق على مبدأ الضاحية مقابل كريات شمونة، لكن الشيطان يكمن في التفاصيل، والتفصيل يكمن في آلية التحقق التقنية فيما توقع السيد عبد الله أن تختص لجنة الميكانيزم نسخة 2024 بآليات الرقابة، كانت آلية الرقابة تخضع للجنة ميكانزيم معدلة جينيًا سحب منها كروموزوم اليونيفيل واستبدل بكروموزوم المداهمة والتدخل و"القصف السريع". هذه الصياغة قضت على أي مزاعم انتصار وفعلا تحولت المعادلة من الضاحية مقابل تل أبيب إلى الضاحية مقابل كريات شمونة، أي أن أهداف نتانياهو تحققت بالكامل، بل وسقطت إنسانية قرى جنوبي الليطاني من حسابات المحور.

آلية الرقابة الثلاثية (أميركية بريطانية فرنسية) لا تعطل فقط دور اليونيفيل بل تتعدى ذلك إلى ادخال منطقة جنوب الليطاني في اختصاص مجلس ترمب للسلام وليس مجلس الامن الدولي، ولو بالمواربة، فهنا بدأنا نشهد فعلا آليات Pax Trumpiana تفرض إيقاعها على المشهد.

هذه الحقيقة وضعت الإسلام السياسي في عنق الزجاجة، فلا يمكنه تسويق نصر إلهي جديد فيما أدت المعارك إلى تحكم ترمبي مباشر، ولم يعد بالإمكان المراوغة في تطبيق القرار 1701، أو بالحقيقة تطبيق الترتيبات الفعلية لإعلان واشنطن، ولن يستطيع بعدها إسماعيل النجار أن يهدد ويتوعد بــ"صاروخ يستهدف مطار القليعات".

في 4 حزيران 2026 أعلن نعيم قاسم رفض إعلان واشنطن، واعتبره استسلامًا، رافضًا الصياغة بمجملها، فأقر من حيث لا يدري أنه يرفض تطبيق القرار 1701، ويرفض مشروع المنطقة التجريبية الذي يشكل خطوة أولى على نسق الـTrial Transaction، تضمن لأهالي القرى الحدودية العودة إلى قراهم وإعادة إعمارها، ويبدو أن ثمة قرار اتخذ باختبار الحدود.

حدود الدم. 

في 6 حزيران 2026، ارتقى الشهداء العميد الركن وسام صبرا، النقيب إيلي خوري والجندي حسين عبد العلي غزال، بعد أن استهدف العدو الإسرائيلي آليتهم، وزعم العدو أن هذا الاستهداف جاء عن سبيل الخطأ وتم بناء على "معطيات ميدانية" ونتيجة لــ"عدم التنسيق". هذا الخطأ المزعوم خلط الأوراق مجددًا.

فيما كان شهداء الجيش اللبناني يروون تراب الجنوب، كانت الحكومة اللبنانية تنجز أول خطوة حقيقية نحو المستقبل، فتم في نفس اليوم افتتاح مطار الرئيس الشهيد رينيه معوض وهذا المطار ليس فقط خطوة إنمائية لعكار والشمال، ولكنه نقلة إستراتيجية تحرر حركة الملاحة الجوية من قبضة "طريق المطار" وكما قال سعادة السفير ميشال عيسى: "أصبح للبنان مطارين"، وبالنتيجة إذا أدت الظروف لتعطيل أحدهما فإن الآخر يبقى عاملا وفعالا، ورسالة افتتاح المطار والحضور الدولي الوازن في هذه الاحتفالية تضمنت رسالة متعددة الابعاد ليس أقلها تبديد أحلام الانفصاليين، فـKYE له ثقل استراتيجي دولي ولم يتم افتتاحه ليلعب دور الـ T2 في القصيص في دبي.

بتمام الساعة 8:39 ص. أطلق نعيم قاسم عددا من الصواريخ على يفتاح وراموت نفتالي، رد نتاياهو باستهداف الضاحية بــ"غارة تحذيرية" أدت إلى ارتقاء شهيدين مدنيين وإصابة ثمانية: قرابين قدمهم نعيم قاسم على مذبح كتيبة حبيب، كما ضحى يفتاح بابنته العذراء البريئة إيفاء لنذره.

في ظل "عدم سرور" ترمب بتطبيق نتانياهو للاتفاق المبرم، قررت كتيبة حبيب إمطار إسرائيل بثلاثين صاروخا كبدوها وفق القناة 15 نصف مليار دولار أميركي وما نال رجل منهم كلم ولم يراق لهم دم. أما الخسائر الإيرانية فقد بلغت مبلغًا أشد وقد أصبحت السماء الايرانية غرضًا يُرمى.

هنا يجب أن نفهم حقيقة ما يجري، فكتيبة حبيب تختبر الحدود، فهي تتقدم خطوة وتتراجع خطوتين، وتحاول أن تخاطب الوعي الجمعي أنها انتصرت على الولايات المتحدة الأميركية وأنها تمكنت من إخضاع الآلة العسكرية الأميركية، ولا يخرج اسقاط مروحية الاباتشي في المسندم عن هذا السياق، ولا يخرج الرد الأميركي المحدود والمنضبط عن إطار الانسحاب التظاهري.

الانسحاب التظاهري.

في 3 حزيران 2026، صوت مجلس العموم -House of The représentatives- على قانون يقيد سلطة الرئيس في شن الحروب، هذا الفانون يحتاج في المحصلة إلى موافق الكونغرس ومن ثم موافقة الرئيس الذي إن مارس حق الفيتو أوجب المجلسين أن يستحصلا على أكثرية الثلثين والذي يستحيل عليهما تحقيقه قبل الانتخابات النصفية (إن ربحوها).

وبالتالي فإن تمرير قانون حماية إيران ما هو إلا استدراج لكتيبة حبيب للخروج من معقلها الرئيس والاندفاع نحو تمتين حضور إقليمي وازن، وهذا يوجب الخروج على الاتفاق، فالمعقل هنا ليس معقلا عسكريا ولا استراتيجيا بل معقل قانوني يسير فيه حائك السياسة الإيرانية على حبكات المشروعية فلا يتجاوزها لكي لا يقع في فخ Little Bighorn جديد كما وقع فيه اليابانيون والالمان في الحرب العالمية الثانية.

إن الوعي الأميركي لن يقبل بفرد العضلات العسكرية الأميركية دون ضوابط ما لم يتعرض لصفعة وعي، فالحرب ليست جذابة في الديمقراطيات ولا تلقاها الأمم المتحضرة بترحاب، بل هي الخيار الأسوأ، ومناهضة الحروب غير الضرورية تقع في صلب عقيدة MAGA، التي يعبر جي دي فانس أفضل تعبير عن تطلعاتها في سعيه الحثيث إلى الحصول على اتفاق قبل الرابع من تموز. ...

ولكن ماذا لو؟

البجعة السوداء.

الإشكالية في الجينية في تركيبة العقائد الجهادية هي توَهُّم الدفاع عن الحق الإلهي، وهذا ينتج تشربكا في الخيوط التي تحرك الأذرع والفصائل الجهادية، فاستقلالية القرار وحرية المبادرة آلية فعالة في الحرب، ولكنها عائق كبير في إدارة المفاوضات وامتحان الحدود، وهذه اللامركزية الجهادية تمنح هامشا للأذرع وتفتح لهم باب المبادرة.

هذه الإشكالية البنيوية ظهرت في الأشهر القليلة الماضية بشكل جلي، فخرج الحرس الثوري الإيراني حتى على قرارات حكومته، وهذا العامل مع نداء الثأر غير المؤدى وعقيدة المختار الثقفي التي يختلف فيها الشيعي المتأول عن العلوي، ففيما العلوي يقول مقالة عبد المطلب "للبيت رب يدافع عنه" ولا يرى نفسه معنياً بأخذ ثأر الله، ولا يقيم وزنا للمختار الثقفي ترى الإسلام السياسي الشيعي يغالي في تمجيد المختار الثقفي بل ويعتبر في فقرة "الجيش العقائدي" من مقدمة الدستور الإيراني أن واجبات القوات المسلحة لا تنحصر "بمسؤولية الحماية وحراسة الحدود فحسب، بل تحمل أيضاً أعباء رسالتها الإلهية، وهي الجهاد في سبيل الله، والنضال لبسط حاكمية القانون الإلهي في العالم"، هذه الإشكالية البنيوية مع وجود ثأر إلهي جديد غير محقق ومع إمكانية المبادرة للأذرع المنتشرة قد يؤدي إلى خطأ جسيم ترتكبه أحد هذه الاذرع.

هذا الخطأ، الذي قد يكون اغتيالاً كبيرًا، أو اعتداءً دمويًا، أو تصرفًا غير مدروس كإعلان الحرس الثوري امتلاك السلاح النووي، سيتسبب بصدمة وعي لدى الأميركي، إذا ما وقع سيكون بمثابة معركة Little Bighorn في القرن الواحد والعشرين وعلى أعتاب الذكرى الــ250 لتأسيس الولايات المتحدة الأميركية، وستستفيد منه كل القوى التي تسعى لتغيير وجه الشرق الأوسط وعلى رأسها إسرائيل.

فسعي كتيبة حبيب لتثبيت مشروعية حاكميتها، والتحدي الذي تفرضه عليها المادة 5 من الدستور الإيراني بأن تحل محل الامام المهدي في غيبته ليكونوا سفراء للإمام، كل هذا يوجب أن تجترح كتيبة حبيب نصرًا باهرًا لا يحاجج منطق الشعب الإيراني وحسب بل يخمده إلى الابد، هذا النصر غير المشكوك فيه يحتاج لحدث كبير وضرورة الحدث الكبير هي ما يحتاجه دعاة الحرب في الولايات المتحدة لإطلاق عنان القوة العسكرية الأميركية منفلتة من ضوابط الكونغرس والانتخابات النصفية.

الإشكالية التي تواجه كتيبة حبيب ومحبيها أن القطار انطلق، وهم يركضون خلفه، فلم يقرأوا لنسيم طالب: "إن فوات القطار لا يكون مؤلماً إلا إذا ركضت خلفه! وبالمثل، فإن عدم تحقيق فكرة النجاح التي يتوقعها الآخرون منك لا يكون مؤلماً إلا إذا كنت أنت من يسعى وراءها"، لكنهم يمارسون حرية الألم وحرية الركض وراء القطار ويرمون من يستطيعون تحت عجلاته علهم لا يخرجون من التاريخ.