ميشال طوق

الدولة ليست النظام... لكن كليهما فشل في لبنان

4 دقائق للقراءة
السلام لا يُبنى على محو الاختلافات، بل على تنظيمها

منذ عقود، اعتدنا في لبنان أن ندين "الدولة". نحمّلها مسؤولية الفساد، والشلل، والفقر، والإهانة. الدولة فشلت فينا، ونحن محقون في ذلك. لكن في غضبنا، كثيرًا ما نخلط بين واقعين مختلفين جذريًّا: الدولة والنظام السياسي. فهما ليسا الشيء نفسه. ومع أن كليهما فشل، فإن فشلهما لم يكن للأسباب ذاتها.

الدولة، من حيث المبدأ، مفهوم بسيط. هي السلطة السيادية التي يُفترض بها وحدها أن تحتكر السلاح، والسياسة الخارجية، والمالية العامة، وموارد البلاد. وهي السلطة التي يجب أن تتحدث باسم جميع اللبنانيين، وأن تحمي المصلحة الوطنية ككل. أما النظام السياسي، فهو شيء مختلف تمامًا؛ إنه فقط الطريقة التي تُنظَّم بها السلطة وتُمارَس داخل الدولة. الأنظمة يمكن أن تتغير، والدساتير يمكن أن تتطور، والمؤسسات يمكن إصلاحها. أما الدول، فمن المفترض أن تستمر. الدولة هي الأساس.

لكن لبنان يعاني فشلا مزدوجا. نحن لا نملك دولة مكتملة السيادة قادرة على فرض سلطتها على كامل أراضيها وقراراتها. ولا نملك في الوقت نفسه نظامًا سياسيًّا قادرًا على تحويل تنوعنا إلى مصدر للاستقرار. منذ أكثر من قرن، حاولنا إقناع أنفسنا بأن الشعارات يمكن أن تحل محل الواقع. تحدثنا طويلا عن العيش المشترك والوحدة الوطنية، لكننا نادرًا ما تجرأنا على السؤال عما إذا كانت مؤسساتنا ملائمة فعلا لطبيعة المجتمع اللبناني.

ربما حان الوقت للاعتراف بحقيقة يرفضها كثيرون. اللبنانيون لا يشتركون جميعًا في الرؤية السياسية ذاتها، ولا في الذاكرة الجماعية ذاتها، ولا في المرجعيات الثقافية نفسها، ولا حتى في تصورهم لموقع لبنان في العالم. أكثر من مئة عام من الأزمات والحروب والتدخلات الخارجية لم تفعل سوى تعميق هذه الاختلافات. لا عيب في الاعتراف بهذه الحقيقة؛ العيب هو في إنكارها ثم الاستغراب عندما تصطدم بنا.

كل طائفة في لبنان عاشت، في لحظة ما، خوفًا من الفناء أو من هيمنة الآخر. وكل طائفة تقريبًا لجأت، في مرحلة من تاريخها، إلى حماية خارجية. هذا اللجوء الدائم إلى الخارج ليس فقط سبب ضعف الدولة، بل أيضًا نتيجة له. فكيف يمكن لدولة أن تكون قوية بينما مكوناتها نفسها تثق بالقوى الخارجية أكثر مما تثق بعضها ببعض؟

لهذا، لا يمكن أن يكون الحل مجرد الحفاظ على النظام الحالي، ولا يمكن أيضًا أن يكون في التخلي عن فكرة لبنان. ما يحتاجه لبنان أولا هو دولة تستحق هذا الاسم: دولة تحتكر وحدها السلاح. دولة تحتكر وحدها السياسة الخارجية. دولة تدير وحدها الموارد والمالية العامة. أي دولة تنتمي إلى الجميع لأنها لا تنتمي إلى أحد بعينه.

عندها فقط، يمكن أن نمتلك الشجاعة لطرح السؤال المؤجل: سؤال النظام السياسي الجديد. نظام يعترف بواقع المجتمع اللبناني بدلا من إنكاره. نظام يقوم على الاعتراف بأن اللبنانيين ليسوا متشابهين، وأن السلام لا يُبنى على محو الاختلافات، بل على تنظيمها.

لقد رفض كثيرون الفيدرالية لأنهم يخلطون بينها وبين التقسيم. لكن التقسيم هو انفصال شعب عن آخر. أما الفيدرالية فهي، على العكس، محاولة لتوحيد مجتمعات مختلفة ضمن دولة واحدة، مع السماح لكل منها بالحفاظ على نمط حياتها وخصوصيتها وإدارتها المحلية. في الواقع، اللبنانيون منقسمون فعلا، ليس بحدود أو جدران، بل بالذاكرة والمخاوف والتصورات المتناقضة عن الوطن. الهدف ليس تعميق هذا الانقسام، بل تنظيمه بما يسمح بالتعايش دون خوف دائم من الآخر.

لقد فهمت سويسرا منذ زمن بعيد أن الوحدة لا تعني التشابه. يمكن لشعوب لا تتكلم اللغة نفسها، ولا تحمل التقاليد نفسها، ولا تتشارك الذاكرة التاريخية ذاتها، أن تعيش ضمن دولة واحدة. المهم ليس أن يكون الجميع متطابقين، بل أن يعترف الجميع بشرعية سلطة مشتركة تعلو فوق كل الانتماءات الخاصة.

ربما هذا ما كان ينقص لبنان منذ ولادته: ليس بالضرورة هوية واحدة، ولا ذاكرة واحدة، بل إيمان مشترك بالدولة نفسها. فالدولة ليست هي النظام. وإذا كان كلاهما قد فشل، فربما لأننا قضينا أكثر من قرن نحاول فرض وحدة شكلية على واقع كان يحتاج إلى فهم لا إلى إنكار. فالواقع، في نهاية المطاف، ينتصر دائما.