ليست كل المعارك التي تخوضها المجتمعات معارك عسكرية أو أمنية أو اقتصادية. فبعض أخطر المعارك تدور حول الذاكرة والمعنى والرواية. وحين تقع الكوارث، يبدأ صراع من نوع آخر: من المسؤول عما جرى؟ ومن يُفترض أن يُحاسب؟ ومن سيُقدَّم للناس بوصفه المنقذ؟
في الدول والمجتمعات السليمة، يكون السؤال الأول دائماً: كيف وصلنا إلى هنا؟ أما في المجتمعات المأزومة، فكثيراً ما يُستبدل هذا السؤال بسؤال آخر: من سيتولى إدارة النتائج؟
وهنا تبدأ المشكلة.
فالسياسة في أصلها ليست فن التعايش مع الأزمات، بل فن تجنبها. وليست مهمتها الأساسية التفاوض بعد وقوع الخسائر، بل العمل على منع وقوعها أو الحد منها قدر الإمكان. ولذلك فإن معيار النجاح السياسي لا يبدأ عند لحظة الانهيار، بل قبلها بوقت طويل.
لكن ما يحدث في كثير من الأحيان هو العكس تماماً. تقع الأزمة، ويُهجَّر الناس، وتُستنزف المجتمعات، وتُدفع الأثمان البشرية والاقتصادية والاجتماعية الباهظة، ثم تبدأ عملية إعادة صياغة المشهد. فجأة ينتقل النقاش من أسباب الكارثة إلى سبل الخروج منها، ومن المسؤولية إلى التسوية، ومن المحاسبة إلى الاحتفاء بمن يدير النتائج. وكأن السؤال عن المأزق نفسه يصبح أقل أهمية من السؤال عن الوسيط الذي يتحدث عن حلّه. هنا تظهر إحدى أكثر المفارقات السياسية خطورة: تحويل معالجة آثار الفشل إلى دليل على النجاح.
فإذا كانت جهة ما تمتلك القدرة على فرض التزامات أو تأمين ضمانات أو إدارة التفاهمات بعد وقوع الأزمة، فمن حق الناس أن تسأل: لماذا لم تُستخدم هذه القدرة قبل أن تقع الخسائر؟ ولماذا لم تُترجم إلى حماية فعلية للمجتمع قبل أن يدفع الثمن؟
أما إذا كانت هذه القدرة محدودة أو غير قادرة على منع وقوع الخسائر أساساً، فمن حق الناس أن تتساءل عن مدى واقعية الحديث عن الضمانات، وعن الفارق بين القدرة الفعلية والخطاب السياسي المصاحب لها.
وهذا ليس سجالاً شخصياً مع أحد، بل سؤال يتعلق بجوهر المسؤولية العامة. فالمواطن الذي خسر بيته أو عمله أو استقراره لا يعنيه فقط من جلس إلى طاولة التفاوض، بل يعنيه أيضاً من اتخذ القرارات، أو سكت عنها، أو عجز عن منعها، حتى أوصل المجتمع إلى تلك الطاولة.
إن أخطر ما في الدعاية السياسية أنها لا تكتفي بتبرير الواقع، بل تعيد ترتيب الأدوار داخله. فبدلاً من أن يبقى النقاش حول أسباب الفشل، يتحول الاهتمام إلى إبراز من يتعامل مع نتائجه. وبدلاً من مساءلة الخيارات التي قادت إلى الأزمة، يجري التركيز على الجهود المبذولة للخروج منها. وهكذا ينشأ نمط سياسي مألوف في المجتمعات المنهكة: صناعة المنقذ بعد وقوع الكارثة. وفي هذا النمط، لا يعود النجاح مرتبطاً بمنع الخسائر، بل بإدارتها. ولا تُقاس الكفاءة بقدرة المسؤول على حماية المجتمع، بل بقدرته على التفاوض بعد أن يكون المجتمع قد دفع الثمن بالفعل.
وفي الحالة اللبنانية تحديداً، لا يمكن مقاربة ما جرى في الجنوب من زاوية الاعتداءات الخارجية وحدها، كما لا يمكن اختزال المشهد في عامل واحد. فالمساءلة الحقيقية تقتضي طرح الأسئلة على جميع الجهات التي امتلكت القدرة على التأثير في مصير المنطقة وسكانها.
فمن جهة، لا يمكن تجاهل مسؤولية القوى التي امتلكت على مدى سنوات نفوذاً واسعاً وقراراً مؤثراً في خيارات الحرب والسلم، وفي مقدمتها حزب الله، إذ إن امتلاك القدرة على اتخاذ القرار يستوجب بالضرورة تحمّل المسؤولية عن نتائجه وتداعياته على المجتمع الذي يدفع الثمن.
ومن جهة أخرى، لا يمكن إعفاء الدولة اللبنانية من مسؤوليتها التاريخية عن ترك جزء من مواطنيها بين معادلة السلاح والعدوان، من دون أن تنجح في بناء منظومة حماية وطنية وسيادية فعلية. فالدولة التي تغيب عند لحظات الخطر لا تستطيع أن تكتفي بالحضور بعد وقوع الخسائر. وبين قوة تملك تأثيراً يتجاوز مؤسسات الدولة، ودولة تعجز عن القيام بدورها الكامل، وجد أبناء الجنوب أنفسهم مرة أخرى أمام الحقيقة ذاتها: هم من يدفع الكلفة الأكبر، وهم من يتحمل نتائج الخيارات التي لم يكونوا دائماً شركاء حقيقيين في اتخاذها. فهم غالباً من يدفع ثمن القرارات الكبرى، بينما يبقى دورهم في صناعة تلك القرارات محدوداً أو غائباً، لتتحول التضحيات المتكررة مع مرور الوقت إلى عبء اجتماعي وإنساني يهدد استقرار المجتمع نفسه ويستنزف طاقاته.
لكن المجتمعات الحية لا تُبنى بهذه الطريقة. فمن حق الناس أن تسأل أين كانت الدولة حين احتاجت إليها. ومن حقها أن تسأل أين كانت القوى السياسية حين كانت القرارات المصيرية تُتخذ. ومن حقها أن ترفض أن تتحول إلى مجرد وقود دائم لأزمات متكررة، يُطلب منها في كل مرة أن تتحمل الخسائر أولاً ثم تستمع إلى روايات الإنجاز لاحقاً.
إن المشكلة ليست في البحث عن الحلول، فالحلول ضرورة لا غنى عنها. والمشكلة ليست في التفاوض إذا كان التفاوض يخفف المعاناة ويحمي ما يمكن حمايته. بل المشكلة في تحويل الحلول اللاحقة إلى ستار يحجب الأسئلة السابقة. فالمحاسبة ليست نقيض التسوية، بل شرط من شروط العدالة السياسية. والبحث عن المخارج لا يلغي حق الناس في معرفة كيف وصلت إلى المأزق أصلاً.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي مجتمع هو اعتياده على هذا النمط من التفكير، حيث تصبح الكارثة أمراً طبيعياً، وتصبح التسوية اللاحقة إنجازاً استثنائياً، وتصبح المطالبة بالمساءلة نوعاً من الترف أو الخروج عن الإجماع. فحين يعتاد الناس تكرار المأساة، تتراجع الأسئلة الكبرى المتعلقة بالأسباب والمسؤوليات، ويجري الاكتفاء بالبحث عن مخارج مؤقتة للأزمات المتلاحقة. ومع الوقت، لا يعود الخلل استثناءً يحتاج إلى معالجة، بل يتحول إلى جزء من المشهد العام الذي يتعايش معه الجميع.
والأمم لا تتقدم عندما تتقن إدارة خسائرها فقط، بل عندما تملك الشجاعة الكافية لمراجعة الأسباب التي قادتها إليها. ولا تُبنى الثقة العامة على الوعود اللاحقة أو على براعة التفاوض بعد وقوع الضرر، بل على القدرة على حماية المجتمع ومنع تكرار الأخطاء نفسها. فالمجتمعات الحية لا تكتفي بالسؤال عمّن تفاوض بعد الأزمة، بل تسأل أيضاً عمّن منعها أو فشل في منعها، وعن الخيارات التي جعلت الكارثة ممكنة في المقام الأول.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي لا يبدأ عند من يتحدث باسم الحل، بل عند من يتحمل مسؤولية الخيارات التي جعلت الحل ضرورياً. ولا يبدأ عند من يفاوض على الخروج من الأزمة، بل عند من كان يفترض به أن يمنع الوصول إليها. فالشعوب لا تحتاج إلى أبطال بعد الكوارث بقدر ما تحتاج إلى رجال دولة يمنعون وقوعها. وليس السؤال من تفاوض على الخروج من المأزق، بل من سمح للمجتمع أن يدخل إليه أصلاً.
وعندما يصبح مجرد الخروج من الأزمة إنجازاً سياسياً، من دون مراجعة جدية لكيفية الوصول إليها، فإن المجتمع لا يكون قد تجاوز المأزق، بل يكون قد وضع الأساس لمأزق جديد ينتظر لحظته القادمة. فالتاريخ لا يعاقب المجتمعات لأنها أخطأت مرة، بل لأنها ترفض أن تسأل نفسها لماذا تكرر الخطأ ذاته في كل مرة.