ريمون شاكر

إذا كان هذا هو "الإنتصار"... فكيف تكون "الهزيمة"؟

4 دقائق للقراءة
بربكم ألا تُشبِه انتصارات "حزب الله" في جنوب لبنان انتصارات "حماس" في غزّة؟

أن "تنتصِر" في الحرب، يعني أنكَ كبّدتَ عدوّك خسائر كبيرة في الأرواح والعِتاد والممتلكات، ودمّرتَ ترسانته العسكرية، فأجبرته على الإستسلام.. أو استطعتَ أن تفرض إرادتكَ بالكامل عليه، فأسقطتَ نظامه السياسي... لذلك، لا يجوز لأحد أن يتكلّم عن "انتصار" إذا لم يتمكّن من تحقيق أهدافه السياسية والاستراتيجية التي خاضَ الحرب من أجلها.. فالنصر الحقيقي يتحقّق عندما تكون حالة السلام وحالة الشعب أفضل بعد الحرب ممّا كانت عليه قبلها...

ادعاء "الحزب" بالإنتصار، لا يعكُس الواقع المُزري الذي تعيشه البيئة الحاضنة والمناطق المُحتلّة والمُهدّمة.. فالأضرار الهائلة في البنى التحتية، والوحدات السكنية، والمؤسسات الإقتصادية، وكلفة نزوح مئات الآلاف من الجنوب والضاحية الجنوبية، وفقدان الأرواح، والمُعاناة اليومية للعائلات المتضرّرة، وتفاقُم الأزمات المعيشية، وصعوبة إعادة الإعمار في ظلّ وضع ماليّ مُزرٍ أساساً، وحجم الضربات التي تلقّتها البنية التنظيمية والعسكرية ل "الحزب".. تُناقِض كلياً ادعاءات الشيخ نعيم قاسم "الدونكيشوتية"، واستفزازات النائب محمد رعد لرئيسَي الجمهورية والحكومة بقوله: "نقول للسلطة بأنَّ حرب العدوّ للإجهاز على المقاومة قد فشلَت"... متوهِِّماً أنّ فشل العدوّ في القضاء على "الحزب" وإبادته، يمنحهُ فائض القوّة في الداخل ويُتيح له فرض رؤيته السياسية والعسكرية، إن كان بالنسبة لرفض المفاوضات المُباشِرة أو بالنسبة لإسقاط الحكومة..!

إن السلطة بكل أركانها، والشعب بكل أطيافه، يقولون لكم : لقد فشلتم فشلاً ذريعاً في كل حروبكم التي لم تخدم يوماً مصلحة لبنان .. في ال2006 (لو كنت أعلم)، وفي "حربَي الإسناد" الأخيرتين (الإستماتة لوقف إطلاق النار)... وحان الوقت لتعتذروا من الشعب اللبناني على كل المآسي التي سبّبَتها مغامراتكم الفاشِلة، وتسليم سلاحكم للدولة.

بربكم ألا تُشبِه انتصارات "حزب الله" في جنوب لبنان انتصارات "حماس" في غزّة؟

لقد بلغَت حصيلة ضحايا مغامراتكم حتى الآن 4000 قتيلاً و 12000 جريحاً ما عدا المفقودين تحت الركام.. وقُدِِّرَت الخسائر وكلفة إعادة الإعمار بنحو 20 مليار دولار.. وأكثر من 1.2 مليون نازح.. إضافةً إلى شلل شبه كامل في القطاعات الإنتاجية، لاسيما السياحة والزراعة والخدمات، وتراجُع النشاط التجاري بنسبة 60% وارتفاع معدلات البطالة والهجرة والفقر...

فأين هو هذا "الإنتصار" يا شيخ نعيم ويا حاج محمد؟.. فإذا كان صحيحاً أنكما قدّمتما كل هذه التضحيات ثأراً للخامنئي ولمساندة إيران، تكونان قد ارتكبتما أكبر جريمة بحقّ شعبكم وبحقّ لبنان.. ليس نحن مَن قال هذا الكلام، بل رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، من دون حياء : "إنَّ "حزب الله" قدّم 4000 شهيد من أجل إيران الإسلامية"، مؤكِِّداً في الوقت ذاته أنَّ دماء وتضحيات مُقاتلي لبنان كانت في سبيل الدفاع عن إيران..! وهنا لا بدّ أن نسأل السيد قاليباف والشيخ نعيم بالدرجة الأولى: كم إيراني مات في سبيل الدفاع عن لبنان؟

إنها لجريمة يا شيخ نعيم تحويل أرض لبنان إلى ساحة لتصفية حسابات إقليمية، أو الدفاع عن مصالح إيران.. فربط المصير اللبناني بأجندة إيران الإقليمية، جرّ الويلات والدمار على الشعب اللبناني، وعزلَ البلد عربياً ودولياً... ولذلك، تُشدِِّد الأكثرية الساحقة من اللبنانيين على حصر قرار الحرب والسلم بيد الدولة ومؤسّساتها الدستورية وجيشها فقط، بدلاً من ربطه بإيران ومحورها...

إنَّ أكثرية القوى السياسية والشعبية تدعم حكومة الرئيس نواف سلام ومساعي رئيس الجمهورية جوزاف عون في إدارة المفاوضات الدولية لبسط سيادة الدولة.. وتَرى أنّ حكومة سلام تُمثِِّل الشرعية الدستورية الناتجة عن توازنات برلمانية حقيقية، وأّيّ محاولة لإسقاطها بضغط السلاح أو الترهيب السياسي هي انقلاب مُباشَر على مؤسسات الدولة.. وبالتأكيد ستفشل.

"الشيء الوحيد الذي يجعل الشرّ "ينتصِر".. هو أن يظلّ الخير ساكِناً لا يفعل شيئاً".


باحث وكاتب سياسي