بطرس الخوري

نصف قرن من النفوذ الإيراني: أين انتصرت الدولة وأين انتصرت الميليشيا؟

4 دقائق للقراءة

منذ عام 1979، حملت الثورة الإسلامية في إيران مشروعاً يتجاوز حدود الدولة الإيرانية نفسها. لم تطرح طهران نفسها مجرد دولة ذات مصالح وطنية، بل مركزاً لمحور سياسي وعسكري وعقائدي يمتد عبر المنطقة تحت شعارات المقاومة ومواجهة إسرائيل والهيمنة الغربية.

بعد ما يقارب نصف قرن على انطلاق هذا المشروع، لم يعد السؤال متعلقاً بالنوايا أو الشعارات، بل بالحصيلة الفعلية على الأرض. فالمشاريع السياسية تقاس بنتائجها، والدول تقاس بما تحققه لشعوبها من استقرار وازدهار وسيادة ومؤسسات.

عند النظر إلى خريطة الشرق الأوسط، يبرز مشهد لافت، فالدول التي شهدت أكبر حضور للنفوذ الإيراني هي نفسها الدول التي عانت من أكبر درجات التفكك والانهيار وعدم الاستقرار.

في لبنان، نشأ نموذج الدولة المزدوجة. دولة دستورية تمتلك مؤسسات رسمية من جهة، وقوة عسكرية تمتلك قرار الحرب والسلم من جهة أخرى. ومع مرور الوقت تآكلت سلطة المؤسسات، واهتزت الثقة الداخلية والخارجية بالدولة، وتراجع الاستثمار، وانفجرت الأزمة المالية التي دفعت ملايين اللبنانيين إلى الفقر والهجرة وفقدان الأمل بالمستقبل.

في العراق، أدى سقوط نظام صدام حسين إلى فتح الباب أمام نفوذ إيراني واسع عبر أحزاب وفصائل مسلحة أصبحت جزءاً من المشهد السياسي والأمني. ورغم الثروات النفطية الهائلة التي يمتلكها العراق، ما زال عاجزاً عن تحقيق مستوى التنمية الذي يليق بإمكاناته. فالدولة بقيت أسيرة توازنات السلاح والنفوذ المتعدد أكثر مما أصبحت دولة مؤسسات حديثة.

أما سوريا، فقد تحولت إلى النموذج الأكثر مأساوية. فالدعم الإيراني الواسع للنظام خلال سنوات الحرب ساهم في إبقائه، لكنه لم ينقذ الدولة السورية نفسها من الانهيار الاقتصادي والاجتماعي والسيادي. انتهت الحرب ببلد مدمر ومجتمع ممزق واقتصاد منهار وملايين المهجرين.

وفي اليمن، لم يؤدِّ صعود الحوثيين إلى بناء دولة أقوى، بل إلى حرب طويلة استنزفت البلاد وأدخلتها في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية والاقتصادية في العالم.

المفارقة الكبرى تظهر عند فلسطين، القضية التي لطالما قُدمت باعتبارها المبرر الأخلاقي والسياسي الأبرز للنفوذ الإيراني في المنطقة. فبعد عقود من الاستثمار السياسي والعسكري في شعار تحرير فلسطين، تبدو القضية اليوم أبعد عن الحل من أي وقت مضى.

لقد بدأت حرب السابع من أكتوبر تحت عنوان فلسطين، لكنها انتهت تدريجياً إلى مواجهة إقليمية واسعة أصبح محورها النفوذ الإيراني نفسه. تحولت الأنظار من الدولة الفلسطينية إلى البرنامج النووي الإيراني، ومن حقوق الفلسطينيين إلى مستقبل المحور الإيراني، ومن قضية شعب يسعى إلى تقرير مصيره إلى صراع جيوسياسي بين قوى إقليمية ودولية.

وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل خدمت عسكرة القضية الفلسطينية مشروع الدولة الفلسطينية أم ألحقتها بصراعات إقليمية أكبر منها؟

في المقابل، يمكن النظر إلى دول أخرى في المنطقة اختارت مساراً مختلفاً. لم تجعل الميليشيا بديلاً عن الدولة، ولم تجعل الحرب مشروعاً دائماً، بل استثمرت في الاقتصاد والبنية التحتية والتعليم والانفتاح على العالم. وبينما كانت بعض الدول تبني الموانئ والمطارات والمناطق الاقتصادية، كانت دول أخرى تبني الأنفاق والصواريخ والخنادق.

الفرق بين النموذجين لا يظهر في الخطابات، بل في النتائج.

فحيث انتصرت الدولة، شهدنا نمواً واستثمارات وفرص عمل واستقراراً نسبياً.

وحيث انتصرت الميليشيا، شهدنا انهياراً مالياً وهجرة جماعية واقتصاد حرب ومؤسسات ضعيفة ومجتمعات منقسمة.

قد يختلف كثيرون حول تقييم الدور الإيراني أو دوافعه، لكن من الصعب تجاهل حقيقة أن معظم الساحات التي تحولت إلى ميادين نفوذ للمشروع الإيراني أصبحت ساحات أزمات مزمنة. فالدولة تراجعت لمصلحة السلاح، والاقتصاد تراجع لمصلحة اقتصاد الحرب، والمواطنة تراجعت لمصلحة الولاءات العابرة للحدود.

لهذا فإن معركة الشرق الأوسط في القرن الحادي والعشرين ليست بين السنة والشيعة، ولا بين العرب والفرس، ولا حتى بين الشرق والغرب. إنها معركة بين مفهومين متناقضين للحكم والسياسة.

الأول يقوم على الدولة، والمؤسسات، والقانون، والتنمية، والسلام.

والثاني يقوم على المحاور، والميليشيات، والسلاح، والتعبئة الدائمة، والصراع المفتوح.

وبعد نصف قرن من التجارب والحروب والانهيارات، يبدو أن السؤال الذي يواجه شعوب المنطقة اليوم أصبح أكثر وضوحاً من أي وقت مضى:

أي مستقبل نريد؟

مستقبل الدولة أم مستقبل الميليشيا؟