هذا الليلُ قد أقبل،
فأبحرتُ في أفقٍ عميق،
وحلّقت عصافيرُ السماء،
تترقبُ البعيدَ بصمتٍ عتيق.
مضى الصبحُ،
وتبعه العصرُ،
ثم انطفأ المساءُ في حضنِ الأفق،
لكن ألحانَ السماء
عادت تُولد من جديد.
الموجُ ينبعثُ في الفضاء،
كأنّه يسبحُ في هواءٍ أزلي،
والنارُ ترقصُ على أطرافِ الليل،
وترسمُ للفجرِ ملامحَ الضوء.
هل تسمعُ صوتَ الجبال،
ذلك النبضَ الذي لا تدركه الآذان،
أم أنك ما زلتَ تجهلُ الكمال،
ولم تعرف سوى ظلالِ الظلمِ القديم؟
هل رأيتَ أنغامَ السماء،
وسمعتَ تراتيلَ الروح،
وغصتَ في أعماقِ الجبال،
باحثًا عن سهمٍ يصيبُ الحقيقة؟
أم أنك جُبتَ الوهاد،
وتنفستَ هواءً رقيقًا،
وعبرتَ أحلامَ المستحيل،
حتى بلغتَ غايةً كانت تنتظرُك؟
هل لامستْ روحُك الزهور،
فدخلتْ في أسرارِ اللون،
وسرحتْ في مهدِ العبور،
قبل أن تعرفَ ما تريد؟
أم أنك لقيتَ الزهور،
ثم غرقتَ في وادٍ سحيق،
فجرحتَ أوتارَ الشعور،
وكسرتَ صمتَ الجليد؟
إنّ الروح،
حين تذوبُ في اتساعِ الكون،
لا تعودُ تبحثُ عن الطريق،
بل تصبحُ هي الطريق،
ويغدو الاندماجُ
أسمى أشكالِ الوصول...