إطار الاتفاق الثلاثي الذي وقّعه لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة في واشنطن في 26 حزيران لا يُقرأ كعقد قانوني، ولا يُعطى للذكاء الاصطناعي ليُحلَّل كوثيقة منفصلة عن الواقع. أول خطأ تحليلي هو عزله عن ميزان القوة الذي أنتجه. هذا إطار سياسي، يقارب التعقيدات والأسئلة التي حملها لبنان وإسرائيل: الجرح التاريخي، الصدع العقائدي، التوازن العسكري، وفي قلبها كلّها، سؤال سلاح حزب الله. أسئلة دُفنت تحت عقود من الخداع المقصود، وميزان قوة لم يتوقف عن التبدّل، وسلسلة انهيارات داخل لبنان كسرت تسوية بعد أخرى.
بهذه القراءة، لم يكن الإطار خطّ نهاية. كان بداية. وبكل تعقيداته، هو أفضل بداية أُتيحت للبنان منذ جيل.
ولكي نفهم ما حرّكه فعلاً، يجب أن نقرأه كما قرأته إيران وحزب الله. عندما يُوصَف “الخطوة الأولى” بأنها باطلة ومعدومة، فهذا يعني أنها كلّفتهم شيئاً.
كان حسن نصرالله، الأمين العام السابق لحزب الله، يخشى شيئاً واحداً أكثر من سلاح الجو الإسرائيلي: السياسة اللبنانية. كان يعرف ما لم يفهمه خصومه جيداً: السلاح يمكن قصفه، أمّا الدولة المخطوفة فتُعيد إنتاج الغطاء إلى ما لا نهاية. لذلك بنى حصنه الحقيقي من حقائب وزارية، وفراغات دستورية، وحق تعطيل، إلى أن جعل الدولة اللبنانية نفسها ضامنة لحصانته. جعل بيروت توقّع معه على إفلاته من الحساب.
أمضى نصرالله عقوداً في تحصين قبضته داخل السياسة اللبنانية، لأنه كان يعرف أن المشروع لا يموت شرعياً إلا هناك: بيد لبنان نفسه. لم يعش ليرى ورثته يخسرون ذلك الحصن.
النص التمهيدي لا يستحق كلمة “استسلام” إلا إذا هدّد شيئاً حقيقياً. وما يهدّده ليس سيادة لبنان، بل أقدم رواية لحزب الله. طوال 44 عاماً، باع الحزب ترسانته بوصفها درعاً وطنياً: سلاحاً فوق السياسة، خارج النقاش، موجهاً حصراً إلى الجنوب. تلك كانت الخدعة. والسجل كسرها منذ زمن. في أيار 2008، حين تحركت الحكومة ضد شبكة اتصالات حزب الله الخاصة، لم يوجّه الحزب سلاحه إلى إسرائيل، بل إلى بيروت الغربية، وإلى لبنانيين قيل لهم إن هذا السلاح لن يمسّهم يوماً. لم يكن السلاح يوماً للعدو وحده. كان دائماً الكلمة الأخيرة في أي مواجهة داخلية يخشى الحزب خسارتها.
لكن الخدعة بقيت، لأن حزب الله كان يغيّر السؤال كلما اقتربت الدولة من ملف السلاح: من “هل يجوز أن يوجد سلاح خارج الدولة؟” إلى “هل أنتم مع المقاومة أم مع إسرائيل؟” وعلى هذا الملعب، كانت الدولة تخسر دائماً.
ذكاء الإطار أنه يرفض خوض المعركة على سؤال حزب الله. يأخذ فرضيته نفسها، أن السلاح يحمي لبنان من إسرائيل، ويقلبها عليه. حين يضع نزع السلاح شرطاً مكتوباً وموقّعاً للانسحاب الإسرائيلي، يصبح السلاح نفسه السبب الموثّق لبقاء إسرائيل. يتحوّل الدرع إلى قفل. يستطيع حزب الله أن يواصل القول إن ترسانته تحمي الجنوب، لكنه بات مضطراً إلى قول ذلك فوق نص يعلن أن هذه الترسانة هي سبب بقاء الاحتلال. الكذبة التي نجت من أيار 2008 بات عليها أن تواجه الحبر.
هذا الحصن الذي بناه نصرالله مع الحرس الثوري، هو ما جاء إطار واشنطن لتفكيكه. والبند الذي يفعل ذلك ليس البند الذي يراقبه الجميع، بل البند الذي لا يقرأه كثيرون: منع التمويل من ايران، وأموال إعادة الإعمار عن الجماعات المسلحة غير الشرعية. بند السلاح يقتل الميليشيا. بند التمويل يقتل الآلة التي جعلت الميليشيا فوق المساءلة.
إذاً، لا يتوقف الإطار عند السلاح. بل يذهب إلى شريان القوة: المال. في النص، يلتزم لبنان وواشنطن بخنق قنوات التمويل لكل الجماعات المسلحة غير الشرعية، والأهم، أموال إعادة الإعمار. هذه هي الشفرة الأهم في الوثيقة. بعد حرب قتلت الألاف ودمّرت الجنوب والضاحية، لا يعيش حزب الله بالصواريخ وحدها، بل بكونه اليد التي تعيد البناء، والوصي الذي يوزّع المال، تماماً كما اشترى بيئته مجدداً بعد 2006. الإعمار عبر الدولة وحدها، ونزع من حزب الله قدرة الإعالة. راقبوا مسار الأموال، لا الخطابات.
كل ذلك لا يجعل الإطار نهاية. وهو يحمل مخاطره أيضاً. فإسرائيل تستطيع قراءة شرط نزع السلاح كإذن مفتوح للبقاء. الاختبار الحقيقي لن يكون في بيان أو خطاب، بل في ما إذا كان الجيش اللبناني قادراً على دخول أول منطقة اختبار، والتمركز فيها، وحمايتها، وما إذا كان حزب الله سيتركه يفعل.
حزب الله لم يرفض اتفاقاً ضعيفاً. رفض الوثيقة الوحيدة التي سعّرت سلاحه وقطعت ماله، ثم سمّى الفاتورة “استسلاماً”.